د.محمد حامد الغامدي

لا جدوى من العواطف

▪▪ العبر والدروس لا تتوقف.. لكنها تتجدد مع كل جيل.. الحكمة في توظيف.. تراكم الخبرة.. لصالح المستقبل.. تستكن الأجيال.. تلتحف لباس آبائها.. حتى يأتي المجددون.. يأتون إذا جاء مطر التغيير.. ينهمر نعمة على الجميع.. وحدهم.. يستطيعون رسم طريق أبنائهم.. لكن.. هل يستطيع الأبناء.. رسم طريق من بعدهم؟!▪▪هذا المقال إضافة لبقية مقالات سفر الآباء المجددين.. أسسوا لمرحلة التغيير في حياتنا.. وجدنا أنفسنا مع جيل مخضرم.. عاش مراحل متناقضة.. الجوع والخوف.. ثم الغنى والأمن والأمان.. ثم مرحلة المعرفة وخدماتها.. ومع كل المراحل.. هناك الشكوى والتذمر.. وطرح الاسئلة.. تأتي بدون أجوبة.. لكنها أساس التغيير والبحث عن الأفضل.كنت أرى (شيبان) القرية ورجالها قامات شامخة لهم الود والاحترام في نفس كل شاب.. نراهم قدوة ومخزونا معرفيا له قيمة.. ننشد ودهم.. نتطلع إلى كلمة اعجاب أو اطراء منهم.. رجال التصقت حياتهم بالبيئة.. مهارات البقاء مهنتهم.. أصبحوا جزءا من البيئة والأرض.. يمثلونها عطاء ونقاء وصبرا.. لا يغادرونها.. تمثل الشرف والقيمة والمقدار.. لا يبيعونها كسلعة تجارية.. لكنها كنز تتوارثه الاجيال.▪▪ عشت طفلا أُشاهد أمامي هامات رجال.. صيت طيب يتوسع بيننا كأطفال.. هم (الشّيبان) أجدادنا وآباؤنا.. البعض منّا لم يشاهد جده.. مات قبل ولادته.. مثلي.. الجميل في قرية طفولتي أن كل (شيبان) القرية يمثلون الجد.. لهم نفس القيمة والاعتبار.. كل أب في القرية يقوم مقام الأب الحقيقي لكل طفل.. تلك هي القرية بجذور واحدة ومصير واحد.. لهم خبرات تراكمية تؤثر في مسار الحياة.. خبراتهم إرث  قوي.. قفزات التغيير معدومة مقارنة بما يجري اليوم.▪▪ كان مجتمع القرية متجانسا إلى أقصى حد.. يصبحون أقرباء بفعل المصاهرة.. تتوحد العوامل لتصبح قوة.. تشاهدها في كلمتهم الواحدة.. يتم فرضها واحترامها من أجل البقاء.. هذه ملامح من قرية سافرت مع (شيبانها) إلى الأبد.. تحولت القرية في زماننا إلى صندوق مقفل بالٍ وخرب.. يبحث عن مفاتيح تعيدها لأهلها ومسارها الذي يجب.. تحولت القرية إلى مدينة عشوائية.. يعني انشطار البناء والنفس بين قديم وحديث.. وترى بيوتها القديمة فتعرف مقدار تغيير الحياة.  ▪▪كنت أرى (شيبان) القرية ورجالها قامات شامخة لهم الود والاحترام في نفس كل شاب.. نراهم قدوة ومخزونا معرفيا له قيمة.. ننشد ودهم.. نتطلع إلى كلمة اعجاب أو اطراء منهم.. رجال التصقت حياتهم بالبيئة.. مهارات البقاء مهنتهم.. أصبحوا جزءا من البيئة والأرض.. يمثلونها عطاء ونقاء وصبرا.. لا يغادرونها.. تمثل الشرف والقيمة والمقدار.. لا يبيعونها كسلعة تجارية.. لكنها كنز تتوارثه الاجيال.. خدمتها رمز للمرجلة المنشودة.. يجب الحفاظ عليها كالروح في الجسد.. هكذا كان غذاؤنا القيمي اليومي.. يوفرونه كمعلومة وفلسفة ومنهج حياة.. حتى يتعلق الفرد عشقا بكل مكوناتها.▪▪الاسرة في القرية جهاز منظم.. تتوزع المهام والأدوار على كل فرد صغير وكبير.. هذا يعني جودة الادارة ووضوح الاهداف..  إلى أن أتى مشروع الاسفار.. فأصبح لكل اسرة فرد مسافر كمهمة عمل يجب عليه الوفاء بكل متطلباتها.. البقية يمكثون في القرية ينتظرون منه المدد المادي لمواصلة العيش والبناء.. هذه وظيفة السفري.. وهذه حقيقتهم في هذا الجهاز العائلي الدقيق.▪▪ السفر له أثمان باهظة التكلفة.. تمثلها الدموع والحنين والعواطف الجياشة.. يدوسون على مشاعرهم ثم يسافرون.. ولكن هناك نوافذ الحياة التي تشكل لب العلاج.. نوافذ آمال تغذي فيهم روح الصبر والمسئولية.. يسافرون عزّابا تنتظرهم القرية بالصبايا.. يزوجونهم بعد عودتهم.. يمكثون شهرا أو شهرين.. ويعودون إلى أسفارهم.. تاركين أهلهم وزوجاتهم وأبناءهم خلفهم.. يتم وأد العواطف والمشاعر من أجل حياة أفضل يأملون في تحقيقها.▪▪ كنت أرى دموع أمي (حفظها الله) وقت مغادرة أبي (رحمه الله) تنهمر كالمطر.. وكذلك امهات وأخوات وزوجات وبنات المسافرين.. كنت احس بعواطف أبي ودفء حرارة احتضانه لعودي الطري وهو يقبلني.. يهمس في اذني قائلا: (خلك رجال).. (اسمع كلام امك).▪▪تتناثر العواطف على جميع أرجاء القرية.. يسافرون في وقت واحد.. يغادرون عبر طريق واحد اسمه طريق الشام.. الجهة الشمالية من القرية.. فجنوبها يمن.. وشرقها نجد.. وغربها بحر.. وتجد جميع أهل القرية في مسيرة بجانب الطريق في توديع السفرية.. ويأملون في لقاء قادم بعد أن امتلأوا بأوجاع لحظات الفراق.. يتساءلون هل نلتقي مرة أخرى؟!.. وأسمع الدعاء: الله يسفّر دربك.. وغيرها يحمل كل معاني ألم الفراق. ▪▪ إذا كانت الأحزان تأخذ مجراها بغزارة.. فإن الأفراح تأخذ مجراها بشكل يغطي على كل هم التحديات.. طوال السنة ينتظرون عودتهم.. قد يأتون وقد يطول غيابهم لسنين.. كنت اسمعهم يتحدثون عن قرب قدوم السفرية.. لهم موسم هو الصيف.. يعدون عدتهم للاستقبال.. يجب أن تكون البيوت والنفوس مهيأة.. وتكتسي جدران البيوت الداخلية بـ(النُّورة) ذات اللون السماوي الفاتح.. هي مسحوق لحجارة محلية..  يخلطونه مع الماء.. ثم ترش على الجدران الداخلية للبيت.. كل شيء نابع من البيئة.. ويستمر السفر بعنوان آخر.