أخلاق الموقف
مادام الفرد حيا ومتفاعلا مع ألوان الحياة المختلفة سلبا وإيجابا فهو بالضرورة يمر بمواقف تتطلب منه سلوكا عمليا تجاهها استجابة أو رفضا فيقف وجها لوجه أمام ما يسمونه «أخلاق الموقف».أخلاق الموقف مصطلح غريب على ثقافتنا في معظم تاريخها المديد.. غريب على الأخلاق السائدة.. تلك التي تنطلق من القبلية أو الطائفية أو من أي مصدر من مصادر الابتعاد عن «البوصلة» التي هي - هنا - مصلحة الإنسان مجردا من أي وصف آخر سوى أنه إنسان..نحن «نظريا» ندين القبلية وأخلاقها التي تقوللا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهاناوندين الطائفية وأخلاقها .. ندين هذا نظريا.. ولكن ماذا يكون الموقف حين ينطلق من «الأدلوجيا» وبخاصة الأدلوجيا الدينية؟ ماذا نقول حين نرى فردا يرمي بطفل من سطح بناية شاهقة بمجرد أنه لا يؤمن بأدلوجيته؟ ألا يذكرنا هذا بذلك الجدل الذي خاض فيه مجموعة من الفقهاء قبل قرون حول أطفال الكفار هل هم في الجنة أم في النار؟أخلاق الموقف لا يستطيعها الفرد المقلد ولا صاحب الأدلوجية غير الجدلية . لأنهما ينطلقان من رؤية مصاغة مسبقا للحكم على شيء جديد لا تعرفانه.أخلاق الموقف لا يسلكها إلا الفرد الذي اتخذ من الإنسان «بما هو إنسان» أدلوجيته وحين نسأل عن هذا الذي يتخذ من الإنسان بما هو إنسان أدلوجيته لا نسمع جوابا إلا ممن يقول: إنه المثقف بمعناه الفلسفي الحديث.المثقف - حسب أدوارد سعيد - هو الذي «يتمتع بموهبة خاصة تجعله قادرا على حمل رسالة ما أو التعبير عن فلسفة معينة».وحيث ان زمن الرسالات قد انتهى يبقى أمامنا من مقولة سعيد «التعبير عن فلسفة معينة» هذه الفلسفة هي الفلسفة النقدية التي تتخذ الموقف بعد مجادلة كل الجوانب لدراسة أين هو الإنسان منها.