للعمالة الوافدة.. فرصة ينبغي ألا تضيع
منذ أن بدأت المملكة في تطبيق الخطة الخمسية التنموية عام 1390 هـ وما تلاها من خطط التنمية المتتابعة، وهي تسعى لتسخير جميع الامكانيات المادية والطاقات البشرية لتنفيذ هذه الخطط، وصولاً إلى اللحاق بركب الدول المتقدمة في كافة المجالات العلمية والعمرانية والصناعية والتقنية وغيرها. وقد عانت بلادنا لفترة طويلة من عدم توافر الخبرات والكفاءات والقوى العاملة المؤهلة والمدربة التي يتطلبها تنفيذ المشاريع، وتوفير الخدمات اللازمة لرفع مستوى معيشة المواطنين في كافة المجالات الصحية والتعليمية والاقتصادية وغيرها؛ لذلك أصبحت الحاجة ملحة للاستعانة بالخبرات والأيدي العاملة الأجنبية ليس لأداء الأعمال اليدوية والفنية فحسب، بل حتى للقيام بمهام الإدارة والتنفيذ والمتابعة من أجل تحقيق الأهداف المرجوة، وهو ما تم في حينه وإلى فترة قريبة نسبيا. ومع النمو المستمر في أعداد وحجم المشاريع التي يتم تنفيذها في كافة أنحاء المملكة عاما بعد عام، تزايدت الحاجة للأيدي العاملة الماهرة أكثر وأكثر؛ ونتيجة لذلك فقد حصلت بعض الممارسات الخاطئة التي اعتاد أصحابها التلاعب في مجال استقدام العمالة ما أدى إلى تضخم أعداد بعض الوافدين غير المهرة، الذين لا يعتبر وجودهم ضرورياً، وإضافةً إلى من دخلوا البلاد متسللين بطرق غير شرعية ومن تخلفوا بعد أداء الحج أو العمرة، فقد أدى ذلك إلى بعض النتائج السلبية التي تحملها اقتصادنا الوطني ومنها، العمالة الهاربة والمتسيبة ومنافستها للأيدي العاملة الوطنية، علاوةً على بعض المشاكل الاجتماعية والأمنية التي كانت هذه العمالة سبباً لها. كل هذه الأمور استدعت تدخل الدولة لاتخاذ الإجراءات النظامية الضرورية لتنظيم سوق العمل ووضع الأمور في مسارها الصحيح، ومع ذلك فقد حرصت المملكة أن تتم هذه التنظيمات بطريقة لا تلحق الأذى بأي مقيم من جهة و لا تضر بحاجة سوق العمل من جهة أخرى، وفي سبيل ذلك أعلن قبل ثلاثة أشهر عن مهلة أعطيت للوافدين وأصحاب العمل لتصحيح الأوضاع سواء من حيث نقل الكفالة أو تغيير المهنة أو حالات الهروب وغيرها، وإعفاء من يقوم بذلك خلال المهلة المحددة من الغرامات ورسوم بعض الخدمات وتسهيل اجراءات التصحيح، بل وامكانية إتمام معظمها إلكترونياً دون الحاجة للمراجعة الشخصية للدوائر الحكومية ذات العلاقة، ونظراً لضخامة أعداد من تشملهم هذه الإجراءات وعدم كفاية المدة السابقة الممنوحة للتصحيح، وكعادة القيادة في توفير الظروف المريحة للمواطنين والمقيمين؛ جاء توجيه خادم الحرمين الشريفين بتمديد المدة إلى مطلع العام القادم 1435 هـ، وفي اعتقادنا فإن هذه المكرمة السامية تتطلب أن تلقى ما تستحقه من التجاوب الذي يتناسب مع ما تحمله من معاني الرعاية والتسامح، و ندعو كافة العمالة التي تقيم في بلادنا ممن تنطبق عليهم الشروط وتوجد لديهم مخالفات لنظام الإقامة أو العمل إلى المبادرة بانهاء إجراءات تصحيح أوضاعها خلال المدة الإضافية المحددة التي نعتقد أنها مدة كافية لن يكون للمتخلفين عن الاستفادة منها ما يقدمونه من حجج أو أعذار. بقى أن نقول: إن القصد من هذه الإجراءات هو ضبط سوق العمل وتنظيمه والقضاء على السلبيات والثغرات التي قد تتسبب في مخاطر أمنية واجتماعية أو أضرار اقتصادية للوطن والمواطن والمقيم، وهي لا تهدف إلى مضايقة المقيمين بطريقة شرعية الذين نُقدر لهم، ما قدموه من خدمات ونثمن دورهم في النهضة الحضارية المباركة التي شهدتها بلادنا ولا تزال، والمأمول أن يتجاوب هؤلاء جميعاً مع دعوة وزارة العمل للاستفادة من تمديد الفترة تجنباً لمواجهة العقوبات التي سوف يتم تنفيذها على المخالفين بعد انتهاء فترة التمديد. وهي لن تقتصر على المخالفين من الوافدين فقط، ولن ينجو منها أيضاً بعض ضعاف النفوس من المواطنين الذين اعتادوا على الكسب غير المشروع من خلال التستر على المخالفين أو اطلاقهم دون حسيب أو رقيب مقابل مبالغ يتقاضونها ثمناً لكفالتهم، وهم لا يعلمون أنهم بذلك يلحقون أشد الضرر بوطنهم الذي يستحق من أبنائه وفاء يليق بعطائه ومكانته ومستقبله.