مراكز الوهم السياسي
على خلفية التغيرات التي أحدثها تسونامي الربيع العربي امتلأ الفضاء الإعلامي العربي بكل ألوان الطيف الفكري والثقافي . وبطبيعة الأمور ليس كل تلك التنوعات على تعددها سيئة بالمطلق، ولا جيدة بالقدر الذي يحترم عقل ووجدان المشاهد العربي العادي. ولُوحِظ أنَّ قنوات تلفزيونية وإذاعية بعينها، دأبت على استقطاب أسماء تستخدم لغة طرح وتحليل غربية، وأفكارا أكثر غرابة. وتحليلات لكثير من الأوضاع العربية والدولية أقل ما يقال عنها إنها خيالية ولا تمت بصلة إلى عالم المعقول. الإشكالية كما أراها أن المشاهد العادي قد يُعطي أذنه، وربما عقله لهذا الصوت، أو ذاك. وبالتالي تتشكل رؤيته السياسية و مواقفه حول أمرٍ ما، على ما ردده الدكتور فلان الفلاني، الذي تقدمه الوسيلة الإعلامية على أنه رئيس مركز الدراسات والبحوث السياسية والاجتماعية والتاريخية إلى آخره، في سويسرا أو النرويج،أو أي من بلدان المهجر. وتأكد لي دون أدنى شك أنَّ هناك مجموعة من الحقائق فأغلبية المراكز التي نسمع عنها عبارة عن غرفة في شقة، وغالباً هي الشقة التي يعيش فيها مدير أو رئيس المركز. أما أسماء السادة والسيدات المنضوين في عضوية المركز فليس من المستغرب أن يكونوا من جلساء رئيس المركز في المقهى العربي الذي يجمع أبناء جاليته. الأكثر إثارة من كل ذلك أن الشهادة التي يحملها رئيس المركز محل تساؤل، المهمة حول هذه المراكز، وحول طبيعة القائمين عليها تخفى على قطاع كبير من المشاهدين. ومن أهم هذه الحقائق، أن هذه المراكز تندرج في إطار النشاط الإنساني المدني في أغلب الدول الأوروبية، ولا يحتاج من يحمل جنسية هذه الدول لأكثر من زيارة مركز البريد القريب من منزله ليفتح حساباً مدنياً لمركزه. بشرط أن يكون هناك عنوان حقيقي وثابت للمركز، وعدد معين من أسماء المنضوين في عضويته. ودفع رسم مالي بسيط،لا أكثر. والفكرة من بساطة وسلاسة الإجراءات عدم رغبة هذه الدول في قيام تنظيمات على أراضيها تمارس عملها تحت السطح. بعض العرب الذين قُدِر لهم أن يحملوا جنسيات البلدان الأوروبية استفادوا من مثل هذه التسهيلات بطريقة سلبية و سيئة، فأغلبية المراكز التي نسمع عنها عبارة عن غرفة في شقة، وغالباً هي الشقة التي يعيش فيها مدير أو رئيس المركز. أما أسماء السادة والسيدات المنضوين في عضوية المركز فليس من المستغرب أن يكونوا من جلساء رئيس المركز في المقهى العربي الذي يجمع أبناء جاليته. الأكثر إثارة من كل ذلك أن الشهادة التي يحملها رئيس المركز محل تساؤل، والإصدارات الفكرية والتي يفترض أن المركز الموقر قدمها لا تزيد عن الصفر في أغلب الأحيان. دور هذه المراكز في مناقشة وتحليل الظواهر السياسية التي تجتاح المنطقة العربية وعلاقتها ببلدانهم الجديدة التي يحملون جنسيتها معدومة. السلاح الوحيد الذي يتقنه من يديرون مثل هذه المراكز هو سلاح يرددونه بدون خجل من المشاهد الذي أصبح أكثر فطنة، في أوقات كثيرة من الدكتور الضيف مدير المركز، ومن القناة الإعلامية ذاتها. سلاح الانحياز لرأي أو فكرة ما، والسعي لاقحام تلك الفكرة اليتيمة في ذهن ووجدان المتلقي. لا يمكن أنْ افهم كيف يستغل شخص يُسر الحياة وسهولة التنظيمات المدنية في الغرب ويعلن عن قيام مركز للدراسات السياسية وهو لا يوجد إلا في ذهنه فقط. ومع ذلك يملك من الجرأة ما يجعله يتحدث في لقاء تلفزيوني بما يلوث ذهن المشاهد وعقله ورؤيته العامة. هل يتخيل عاقل في العالم الإسلامي من رجل قضى في الغرب أكثر من ربع قرن كان بامكانه خلالها أن يصبح وزيراً أو نائباً برلمانياً أو شيئا أخر أكثر أهمية، هل يتخيل من رجل أضاع كل تلك الفرص أن ينال من مواقف ومكانة بلد مثل المملكة العربية السعودية، ليت هذا ومن على شاكلته يعرفون أن المملكة تعيش تجربة التنمية بخطى ثابتة على جميع المستويات، أما مراكز الوهم السياسي والقائمون عليها والمروجون لها في الفضاء العربي فقد تجاوزتهم المملكة منذ أمد بعيد.