طرفة عبدالرحمن

هرمونات الديمقراطية

بلا شك أن الشعوب العربية تعيش أزمة مع الديمقراطية، وإن كانت تتفاوت حدة هذه الأزمة من منطقة لأخرى، وهذا نتاج طبيعي لتربية سياسية قديمة استمرت عقودا ثم انهارت لتخلف بعدها حشودا من (جياع الديمقراطية) وهم فئة خرجت في عدد من البقاع العربية وأحدثت ما شهدناه في الساحة السياسية وآخرها مصر كما نراها الآن. هذا المشهد السياسي المتوتر يحمل لنا تجارب ودروسا غنية يمكن أن تكسبنا علما وفنا. خاصة إذا ما رأينا أن اكتسابها بالقوة أحدث دمارا وخرابا لم يبق ولم يذر. لو قلنا إن الديمقراطية دواء ناجع لكثير من العلل الإدارية والثقافية والفكرية، إذن من الواجب والمفترض تجريعها للأفراد والمجتمع ولأجيالنا الصغيرة على دفعات بأيدينا وليس بأيديهم فهم عندما يتعرفون ويستدلون عليها من ورائنا أو يقلدونها من غيرهم، فحتما سيتصرفون بالخطأ معها وربما يصيبهم (تسمم الديمقراطية) الذي يجعلهم لا يفرقون معه بين ما لهم وما عليهم فتسقط بذلك هيبة الوالدين والمعلمين والمفكرين وغيرهم.. أبرز أبجديات الديمقراطية يمكن خلقها في كل مكان، فعندما نأخذ تصويت الأغلبية ونستفتيهم في المسؤولين الذين يمكن تنصيبهم على رعاية مصالحهم فنحن نزرع احترام صوت الأغلبية واحترام الحقوق والمصالح. ما نشهده الآن من تذمر من أبنائنا وحنق واحباط من موظفينا وشكوى من نسائنا حول حقوقهم، علامات تنذر بوهن في قضية الحقوق والديموقراطيات مصدرها الثقافة التي تعتقد بحق المسؤول التنفيذي المطلق في التصرف بالحقوق التفرد بالرأي وغياب الوعي بالقنوات الصحيحة للمطالبة بالحقوق والمقاضاة. إن أسوأ مرحلة في الديمقراطية عندما ترتفع هرموناتها إلى مستويات عالية فتعتقد أن الإصلاح يأتي برفع الصوت والعنف والمطالبة بما لها وليس لها في مرحلة يفقد معها المسؤول هيبته. هذه المرحلة التي يمكن تفاديها باستراتيجية منظمة من التغيير.