د.محمد حامد الغامدي

التغيير مصالح.. هل يكون القوي فيها سنداً وعوناً ؟!

 كنت طفلاً في المرحلة الابتدائية.. في ستينات القرن الماضي.. وجاء تغيير ساعات التوقيت السائد.. من النّظام العربي المحلّي.. إلى النّظام العالمي.. حصل ذلك.. في عهد الملك فيصل.. أحدث التغيير ردة فعل قوية.. تعود النّاس على التوقيت العربي.. حيث الظهر.. الساعة السادسة.. والمغرب الساعة الثانية عشرة.. ومنتصف الليل الساعة السادسة.. والصباح الثانية عشرة.. وهكذا. لا أذكر شيئا خارج المحيط الذي أعيش في دائرته كطفل.. أذكر استنكار الناس من حولي.. كانوا يتساءلون كيف يصبح المغرب ظهرا.. ومنتصف الليل صباحا؟!.. كان التغيير هزّة عنيفة.. ونهاية لمألوف.. قوة العاطفة تجرد الفرد بعضا من ملامح قوة العقل ومنطقه وصوابه.. يُصبح المألوف جزءاً من العاطفة تبكيه إذا فقدته.جاء قرار خادم الحرمين.. حفظه الله.. بتغيير عطلة نهاية الأسبوع.. (تعديلها).. كضرورة وطنية.. مصالح الأجيال القادمة ومصالح الوطن فوق كل اعتبار.. التغيير لا يتعارض مع عقيدتنا وإسلامنا.. لكنه يحقق الكثير من الفوائد المرئية وغير المرئية التي يشجع الإسلام على كسبها. مضت السنون.. وصلنا إلى نسيان تلك الحقبة.. أتى جيل لا يعرف نظام التوقيت العربي.. تحولت الأمور إلى نصابها الصحيح.. أصبحت المملكة جزءا من العالم بتوقيته الموحد.. كسب قرار تغيير التوقيت الرّهان.. كان التغيير واجبا وطنيا.. هل كان الحل أن يحمل كل مواطن ساعتين.. ساعة للتوقيت العربي المحلّي وأخرى للتوقيت العالمي؟! في رحلة سفر لكاتبكم قبل سنوات.. إلى إحدى بلدات منطقة تهامة.. التابعة لإمارة مكة المكرمة.. توقفت لأصلي المغرب في أحد مساجد البلدة على الطريق.. لاحظت وجود ساعتين على الحائط أمام المصلين.. واحدة تحمل التوقيت العالمي.. وأخرى بتوقيت لم أفهمه.. اقتربت بعد الصلاة من الإمام وسألته.. أجاب: هذا التوقيت العربي القديم.. فرجعت إلى زوايا ذاكرتي القديمة. استهوتني الساعة يتوقيتها.. شرح عملها.. هل كان ذلك المسجد الوحيد المتمسك باستخدام التوقيت العربي؟!.. وجدت الإمام يحمل ساعة تعمل بالتوقيت العربي..  تعود عليها في شبابه وهرمه.. بالتجربة يستطيع قياس معرفة التوقيت بالنظام العالمي كما يقول. هذا مثال.. يعزز مفهوم التغيير الضرورة لمتطلبات الحياة العصرية.. التغيير ليس ترفاً أو تخلّي عن الثوابت.. أو منقصة.. أو بيع للهوية في سوق المصالح.. نتعاطف على ما تعودنا عليه.. لكن العقل والحكمة تدعو إلى التغيير إذا ثبت مصلحة التغيير للبلاد والعباد. جاء قرار خادم الحرمين.. حفظه الله.. بتغيير عطلة نهاية الأسبوع.. (تعديلها).. كضرورة وطنية.. مصالح الأجيال القادمة ومصالح الوطن فوق كل اعتبار.. التغيير لا يتعارض مع عقيدتنا وإسلامنا.. لكنه يحقق الكثير من الفوائد المرئية وغير المرئية التي يشجع الإسلام على كسبها.  عندما يكون هناك تغيير تأتي التساؤلات العاطفية.. لتثير التفاعلات الايجابية والسلبية.. وفقا لقواعد لعبة القناعات.. تأتي بسبب التوجهات والمعلومات التي نحملها.. إلى الذين يعارضون أقول: حتى الاسلام كان دعوة.. بدايتها مخالفة ومغايرة لما كان سائداً ومعلوماً ومفهوماً بين النّاس.. وإلى الذين يؤيدون التغيير.. الاسلام يحثنا على التغيير دوما نحو الأفضل.. القرآن الكريم يحمل الدعوة للتأمل والتفكير والتدبر والسعي وراء الرزق الحلال.. هذا التعديل يحمل طابع التطور.. ويحقق مصالح المسلمين في المزيد من الرزق الحلال. وعبر تاريخ مناطقنا المحلية.. وفق قواعد أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية.. كل يوم له سوق في إحدى مناطق المملكة.. ارتضوه وتعودوا عليه.. فهناك سوق السبت.. وسوق الخميس.. وسوق الأربعاء.. وسوق الثلاثاء وسوق الأحد وسوق الاثنين.. لكن لم أعرف سوقاً واحدةً في يوم الجمعة. في المنطقة الشرقية هناك سوقا الخميس في الأحساء والقطيف.. فماذا عسى الجميع يفعل؟!.. بالتأكيد سيتحولان إلى يوم السبت أو تنقرض هذه الأسواق الشعبية.. وقد انقرض معظمها.. هذه حالة حضارية.. يتحكم فيها تغير الظروف والعادات والمسارات الحياتية اليومية.. في عصر يتطلب السرعة وتطبيق النظريات العلمية.. بعيداً عن العادات الاجتماعية التي تفقد أهميتها عندما لا تتغير.. هذا التغيير مكسب لسوق السبت في أي منطقة.. ويجب استغلاله لصالح مثل هذه الأسواق الشعبية. حتى الشعر والقصة والفنون الأخرى شاركت في ترسيخ الأيام في الذاكرة الشعبية العاطفية.. بجانب العادات الاجتماعية.. خضع الجميع لثقافة مسارات العطلة الأسبوعية عبر تاريخها.. الأغاني أيضاً نسجت الأحلام الجميلة حول محور الأيام.. خاصة ليلة الجمعة.. وليلة الخميس.. حتى أسماء البشر هناك (خميس) و(جمعة).. وهناك (سبتي) ليوم السبت.. هل سمعتم عن أناس يحملون أسماء لأيام أخرى؟! التغيير لا يمارسه الا المجددون.. هم عظماء بطبعهم.. وعبر تاريخنا لنا فيهم خير قدوة.. فهذا الخليفة عمر وقد غير التاريخ إلى الهجري.. وهؤلاء المسلمون الأوائل غيروا بإسلامهم تاريخ أجدادهم.. وهذا الخليفة علي بن أبي طالب.. واضع معيار التغيير.. قائلاً: (ربوا أولادكم لزمان غير زمانكم).. التغيير إنجاز وحكمة لصالح المال فهل يحقق خدمة المواطنين وخاصة الشباب منهم؟!