الوعي الزائف
يقال ان من سمات الشخصية العربية بشكل عام وتحديدا السعودية، أنها (مغالية) فهي عندما تحب شخصا ما فإنها تبالغ في مدحه وتفعل العكس عندما تكرهه، لا تعترف باللون الرمادي في النظر للأمور ولا تقبل بأنصاف الحلول. عموما يبدو أن أبناءنا قد اكتسبوا بعضا من هذه السمات فهم عندما ينشدون المتعة في الإجازة الصيفية وغير الصيفية يطالبون بالدخول فيها من أوسع أبوابها، فهم يريدون افتتاحها بحفلة كبيرة للنجاح يدعون فيها حشدا من الأصدقاء وتقام بها طقوس شبيهة بحفل الزفاف ويجب أن تكون هدية النجاح حاضرة في هذه الحفلة، وهذه فقط مقدمة للإجازة. ولم يعد السفر من الكماليات ولا يغني عنه أي برنامج ترفيهي داخلي فأضعف الإيمان (رحلة إلى دبي) وأعتقد أن موضة دبي ستستمر طويلا في ظل ظروف سياحية مهيأة لها عندنا. والمشكلة هنا أن الأسر العاجزة عن توفير بعض مما سبق تشعر بالأسى تجاه أبنائها، فقد ذكر لي أحد الآباء أنه يشعر بخوف وحزن جراء عجزه عن مجاراة ما يحدث في ساحة الإجازة الصيفية، يقول: أخاف أن يعتقد أبنائي أنني بخيل وعندما قلت له صارح أبناءك بأن تكون مطالبهم في حدود قدراتك المالية، أجاب أنه لا يريد أن يظهر بصورة العاجز أمامهم. من المؤسف أن تفرض الظروف الثقافية على الآباء هذا الشعور أو أن تولد لدى الأبناء الإحساس بالنقص تجاه أقرانهم القادرين. لقد فاقمت برامج التواصل الاجتماعي الاستهلاك الترفيهي وعمقته في نفوس النساء والأطفال، فالكثيرون يعرضون صورا لمشترياتهم وتحركاتهم وحفلاتهم أمام فئة تقلد وأخرى تتمنى. في عالم الاستهلاك دائما ما ينشأ (وعي زائف) بالحاجات وتزداد الرغبة في التقليد ويتوحش الفقر أكثر، لأن كثيرا من أبناء الطبقة الوسطى سيصبحون عاجزين عن تأمين حاجاتهم الاستهلاكية التي كانت تعد من الكماليات وأصبحت من الأساسيات. والموضوع ليس قاصرا على مواسم الإجازات فهو مستمر طيلة السنة فكثير من الفتيات والنساء أصبن (بحمى الماركات المزمنة) لكن الذي اختلف في موسم الإجازة أن الحاجة للسفر برزت أكثر، وأن موضة دبي قد (باخت) عند البعض ويريد مكانا أبعد.