الكرامة يحميها ويرعاها عظماء البشر
متى يشعر الفرد بكرامته؟!.. سؤال عظيم.. كعظمة أهرامات مصر.. وكجبروت أمواج المحيط.. وكأحد عجائب الدنيا السّبع.. السؤال: كيف يستطيع الفرد وضع معايير.. تحدد مدى كرامته؟!.. هل يقيسها بمقياس ريختر.. كزلزال؟!.. أم بمقياس الدرجة المئوية.. كحرارة؟!.. أم بالمقياس المتري.. كمساحة؟!..تجمّعوا يهنئون.. كل شيء سليم.. لا خطورة.. صرفوا الدواء.. خرج يمشي مرفوع الرأس تاجه الكرامة.. عائدا إلى الفندق.. كل هذا كان مجّانا.. لم يطلبوا جوازه.. لم يتأكدوا من جنسيته.. لم يتعاملوا معه بوثائق ورسميّات.. كل شيء كان عبر الكلمة التي ينطقها لهم.. لم يطلبوه أو يطالبوه بشيء.. كان التعامل إنسانيا.. هذا جزء من الواجب الذي يلقاه كل إنسان يعيش أو يتواجد بينهم.كانا في مهمّة علمية.. إلى (لندن).. تخلّيا عن الثوب ساتر الترهل والأورام.. استبعدا عنصر غطاء الرأس.. لم تعد أياديهما تعمل لتعديل درجة دقة (المرزام) أو ميلان العقال.. حملا أشياء أخرى.. لخدمة (القذلة).. تناقص شعرها إلى ما يشبه الصلع.. ومع ذلك.. يشعران بجمال نفوسهما النقيّة.. المُحبّة والمعطاء.. عالمان كبيران متواضعان. في حياة الفرد منّا.. لا يدري.. أين؟!.. وكيف؟!.. ومتى يداهمه المرض؟!.. بالتأكيد حجزا في أحد الفنادق التي تعرف العرب.. تعودت على ملامحهم المدجنة.. وعلى الباسقات من تضاريس أجسادهم.. علماء لم تتعود عليهم ساحات الفنادق السياحية.. لم يذهبوا للسياحة.. ذهبوا من أجل صيد العلم. لندن مركز حضارة وتواصل عالمي.. من المدن العالمية التي لا تنام.. لم اسمع عن مدينة عربية بمثل مواصفاتها.. إذا كان هناك.. فنبارك لأنفسنا هذا الانجاز.. تأكيدا أن بعض العرب لا ينامون.. لا يملكون بيتا يؤويهم.. كنتيجة جاءت تسمية أولاد الشوارع.. مسلوبي الكرامة.. يولدون ويعيشون ويموتون في الشوارع.. هذا جزء من معيار كرامة الإنسان عبر التاريخ.. أماكنهم لا تنام مثل مشاعرهم. في الليل.. جاء لأحدهما مغص في خاصرته.. وظف الصبر العربي فلم ينجح.. وظف الانتظار العربي فلم يفلح.. استخدم التجاهل العربي ففاض به الكيل.. أخيرا صاح بأعلى صوته.. (لحقوا علي).. استدعى زميله سيارة الإسعاف.. لم يسمحوا له بوضع سماعة التلفون.. بدأت تنهال عليه الأسئلة.. يجمعون المعلومات عن زميله المريض.. تزايدت وتشعبت الاسئلة والتعليمات.. شعر بخرف التصرف.. استنكر تدفق الأسئلة.. كان يراهم يضيّعون الوقت. حوالي عشر دقائق وهو على التلفون.. فجأة دق باب الغرفة.. دخل المسعفون.. (لاتخاذ اللازم).. كما تقول تأشيرات المسئولين العرب.. على المعاملات التي تتعقد وتطول.. لتصبح في قامة نخيل العقيق.كانوا على التلفون لجمع المعلومات الطبيّة.. لتزويد المسعفين أثناء تحركهم نحو غرفة الفندق.. حملوه بكامل حرصهم ودقتهم.. ما أن وصل المستشفى حتى وجد الجميع في استقباله.. وقد عرفوا كل شيء عن الحالة قبل وصوله.. بدأ فريق الطوارئ يواصل الفحوصات التي بدأت في سيارة الاسعاف.. ثم أدخلوه في جوف جهاز الاشعة المقطعية التي تحتاج عند العرب شهورا ليصل اليك الدور.. هذا إن وصل. يقول بدأت أتساءل هل أنا في حلم؟!.. الكل حولي يعتني وكأني وحيد زماني.. توقف فريق العمل أمام معضلة قراءة الأشعة المقطعية.. المختص غير متواجد.. الحالة طارئة وفي غير وقت الدوام الرسمي.. تجاهلوا استدعاءه لأنه يتطلب وقتا أطول.. الأمر الذي قد يشكل خطورة على زميلنا المريض من وجهة نظرهم.. بعد نصف ساعة جاءت القراءة من استراليا.. أرسلوا الأشعة عبر (النّت) لطبيب آخر في أحد مستشفيات استراليا.. قرأ وحلل واستنتج وأرسل لهم التقرير. تجمّعوا يهنئون.. كل شيء سليم.. لا خطورة.. صرفوا الدواء.. خرج يمشي مرفوع الرأس تاجه الكرامة.. عائدا إلى الفندق.. كل هذا كان مجّانا.. لم يطلبوا جوازه.. لم يتأكدوا من جنسيته.. لم يتعاملوا معه بوثائق ورسميّات.. كل شيء كان عبر الكلمة التي ينطقها لهم.. لم يطلبوه أو يطالبوه بشيء.. كان التعامل إنسانيا.. هذا جزء من الواجب الذي يلقاه كل إنسان يعيش أو يتواجد بينهم.. أعرفتم لماذا يسمونها (بريطانيا العظمى)؟!.. يقول عن الممرضات.. عرفّت لأول مرة معنى: (ملائكة الرحمة).. سلامات يا دكتور يوسف. متى يشعر الفرد بكرامته؟!.. الجميع إخوة في الإنسانية.. هذا معيار اعطاء الحقوق.. ليس بالمال والجاه.. ليس بالحسب والنسب والجنس.. كرامة مفروضة لكل البشر بقوة القانون.. تشبع النّاس بهذا المبدأ.. أصبح عندهم فلسفة حياة.. وعند العرب البعض يسعى لقتل الكرامة.الكرامة أن يعيش الناس بنفس الحقوق.. [سواسية كأسنان المشط].. تتحقق الكرامة بضمان إعطاء الحقوق في كل شيء.. وبنفس المقدار.. وللناس أجمعين.. ذلك هو المعيار الذي يهب الكرامة.. القوانين وسجلات الحقوق لدى العرب كثيرة.. لكنها حبر على ورق.. كم نحتاج من الوقت لنقلها من الورق وغرسها في ذات كل فرد؟!.. متى تصبح جزءا من ثقافته وعاداته.. وممارساته اليومية؟!.. الأهم كيف؟!