مكافحة التسول من المسؤول ؟
كنت في أحد المحلات التجارية على شارع شهير في مدينة الخبر، وإذا برجل في منتصف العمر مفتول الجسم وبيده عصا يتكئ عليها، دخل المحل ويستجدي الزبائن من الرجال والنساء لإعطائه ما تجود به أنفسهم من صدقة، وعندما همت احدى السيدات بإخراج المقسوم من حقيبتها، تدخل البائع ليطلب منه الخروج من المكان، ليقابله المتسول بالرفض، وفي سياق جدالهم - على مرأى من الجميع - عرض صاحب المحل على المتسول العمل لديه، حينئذ سأله المتسول: (كم تعطيني راتبا؟), فرد عليه البائع: ألفي ريال، واسترسل المتسول: مع السكن والأكل؟؟، عندها أعادت المرأة نقودها إلى حقيبتها قائلةً: (طرار ويتشرط)، بل إن الجميع غمرتهم الدهشة من الموقف، وخرج المتسول من المحل ليمارس هوايته في موقع آخر، وبعدها دار حوار بيني وبين البائع حول ما حصل، فعرض علي أن نذهب وقت الصلاة -وكان موعد الأذان قد اقترب- إلى أحد الشوارع الخلفية حتى نرى حقيقة هذا المتسول وأمثاله، وحينما ذهبنا إلى هناك.. كانت المفاجأة: إنه الرجل المتسول ومعه مجموعة يضعون العصي التي يستعطفون بها الناس جانباً، ويتظاهرون بالعجز يتحدثون ويمزحون بألفاظ لا تليق بآدمي أن يتلفظ بها، والأدهى من هذا وذاك رائحة المكان التي تعج بالنيكوتين.. هذه حكايتي شخصياً وأثق أن لدى كل قارئ ما يماثلها من حكايات التسول والمتسولين. لقد انتشرت ظاهرة التسول منذ حين، وفي الوقت الذي كنا نتوقع فيه انحسارها كما هو حادث في بعض المجتمعات القريبة منا والبعيدة، فإنها أخذت تستفحل في مجتمعنا يوماً بعد يوم، حيث لم يعد يقتصر تواجد هؤلاء المتسولين على المساجد فحسب بل امتد إلى الأسواق، وتقاطعات الطرق وعند الإشارات أحياناً وفي وضح النهار وفي آخر الليل بل وصلت إلى حد طرق أبواب المنازل أحياناً، دون خوف من جزاء أو عقاب ودون رادع، وكأن التسول أصبح مهنة يمتهنها البعض. إن تفشي هذه الظاهرة والتكسب دون جهد من الأمور الخطيرة التي ترسخ البطالة وتشجع على الإتكالية، وهي في جوهرها مظهر غير حضاري يدل على تراجع قيم المجتمع، إذ انها تعطل شريحة عريضة من طاقات المجتمع بحيث تكون بمنأى عن المساهمة في بنائه وتنميته، كما أنها أصبحت عملية مربحة ويسيل لها لعاب ذوي النفوس المريضة، والغريب أن هذا يحدث في الوقت والزمان اللذين لا تألو الدولة فيهما جهداً في تقديم المساعدات عن طريق الضمان الاجتماعي وغيره من المؤسسات وقبل ذلك تتيح فرص العمل والتدريب المهني للعاطلين، إضافةً إلى جهود الجمعيات الخيرية وبعض المقتدرين من رجال الأعمال وغيرهم، وما يمكن قوله هنا: إن هذا كله يتم في ضوء شبه غياب للجهات المعنية بمكافحة التسول عن القيام بواجبها كما ينبغي، لذلك نحن مطالبون الآن وليس غداً بتكاتف الجهود للقضاء على الأسباب التي أدت إلى انتشار هذه الظاهرة واستفحالها في مجتمعنا، لا سيما أننا مقبلون على شهر رمضان الكريم، وهو الشهر الذي يتشوق له المتسولون وينتظرونه بفارغ الصبر، لكي يستغلوا تزايد إقبال الناس على أعمال الخير ويمارسوا هوايتهم. بقى أن نقول: التسول مرض اجتماعي حاله حال الأمراض الاجتماعية الأخرى كالإرهاب والجريمة والمخدرات وغيرها، ولا يجب ترك الموضوع دون إجراءات حقيقية تتكامل فيها أدوار كافة مؤسسات المجتمع، بما فيها المسجد والمدرسة والأسرة والشرطة والمرور والأهم مكافحة التسول وغيرهم، وفي تنسيق تام وفريق واحد. قد يتبادر إلى ذهن البعض أن مكافحة التسول تقتصر على ملاحقة المتسولين وجمعهم من أبواب المساجد والأسواق والإشارات والتقاطعات وغيرها، وأخذهم إلى دور الرعاية أو أماكن التوقيف... وليست هذه هي المكافحة . إن المطلوب هو اتخاذ الإجراءات الوقائية التي تقي المجتمع من هذه الآفة وفي مقدمتها زيادة فرص التدريب والعمل والتوظيف والتوعية الاجتماعية والدينية، بحيث لا يتكرر ما حصل لأحد المواطنين منذ فترة، عندما تواصل حول إحدى حالات التسول مع عدد من الجهات، فردت عليه تلك الجهات ان ذلك ليس شأنهم... فمن شأن من ذلك إذن؟؟.. ومن هو المسؤول؟؟.