طرفة عبدالرحمن

لا يسرق إلا الأذكياء

يذكر عالم الاجتماع الأمريكي روبرت ميرتون أن انحراف الأفراد في المجتمع يحدث عندما لا تتوافق القيم المثلى والعليا في الثقافة السائدة مع الأهداف التي يتيحها المجتمع لأفراده. بمعنى أن المجتمعات مثلا تعلي من قيمة العلم والوظيفة والزواج وتكوين الأسرة، لكنها في ذات الوقت لا تتيح بيئات تعليمية صحية من الناحية النفسية والفكرية ولا توفر الفرص الوظيفية التي تحل مشكلة البطالة ولا تضع فرصا متكافئة بين أفراده،  وبعدها تلوم الفاشلين دراسيا والعاطلين عن العمل.. في أحد البرامج الاجتماعية في التلفزيون السعودي طرح موضوع (عدم تكافؤ الفرص في المجتمع) وكان موضوع (الواسطة)أحد محاور الحديث فيه، ولفت نظري في الحوار الدائر في ثنايا الحلقة أن التصورات الذهنية حول موضوع الواسطة وعدم تكافؤ الفرص كانت مختلفة بوضوح في تشخيص أسبابها كما يظهر من تعليق ضيوف الحلقة وبعض المداخلات الهاتفية من الجمهور، فأحد المتخصصين في التنمية البشرية كان يرى أن مكمن الخلل في قضايا كهذه يعود لقيم الأفراد في المجتمع وأن التغيير يجب ان ينطلق من أفراده وأن النظام أكبر من الأفراد وهم لا يملكون التغيير في مؤسساته، أما وجهة نظر الضيف الآخر فقد ركزت على الجانب الاقتصادي للأفراد في المجتمع وأن سبب تدني الأحوال المعيشية لهم هو السبب في اكسابهم قيما اجتماعية «معتلة» . المحزن في الأمر أن هناك مجموعة من علماء الاجتماع والاقتصاد والنفس لهم جهد كبير في صياغة نظريات تفسر واقع الخلل في المجتمعات ويمكن الاسترشاد بها في صياغة على الأقل الأسباب وطرح الحلول إلا أن المثقفين والمتعلمين ما زالوا يستخدمون التنظير الشخصي الذي إن صح في جانب أخطأ في جوانب. يبدو أننا لم نفهم واقعنا حتى الآن ولم نحسن التعامل معه في ظل نظرة تشاؤمية منعت عنا القدرة على التعامل مع الواقع على طبيعتنا ونوايانا. ستتوغل القيم الدنيا وتصبح رفيعة وشائعة على المدى غير البعيد فتغدو السرقة قيمة تنم عن الذكاء والقدرة وفي بيئة المتنافسين ستصبح كل الوسائل مشروعة لتحقيق الغاية، ستصبح صفة الأنانية متضخمة لكنها مقبولة تماما تحت مبدأ المصلحة والمنفعة. «أتمنى أن أكون مخطئة».