د. محمد حامد الغامدي

الجديد منها والقـديم

** بفرح ونشوة.. إلى مطار الدمام.. الجاثم في صبر.. تحضنه كثبان الرّمال.. إنجاز يقدّم خدمات.. يستقبل بصمت.. يودّع بصمت.. الفراغ حوله صامت.. الأرض حوله صامتة.. المطار مظلة هندسية.. رسمه عقل.. نفذه آخر.. بناء للجمال والإبداع.. تجوّلت في أرجائه قبل افتتاحه.. ضمن وفد تجوّل في مساحاته بفخر.. المطارات بوابات جميلة للدول.. تشكّل ملامح الانطباع.. عالم يحكي قصصًا.. لحظاته ساحرة.. المكان الوحيد للطيران منه والهبوط فيه.** وصلت.. توجّهت إلى صالة أعرفها.. هيَّأت نفسي.. الانتظار مسافة تقطعها وأنت في مكانك.. لحظات الانتظار ثقيلة في حياتنا.. إذا زادت جرعة الانتظار تتحوّل الحياة بكاملها إلى مسافة طويلة شاقة.. الانتظار منظومة سير ترثها الأجيال.. وهذه فلسطين نموذج.. وقبلها الاندلس ضاعت طريقها في تموّجات مسارات الانتظار.. يسبح الفرد في مكوّنات نفسه مع كل انتظار.أحيانًا يأخذ الاستغراب أبعاده.. تستقبل شخصًا غريبًا.. ترحّب بشخص مجهول الطباع والثقافة والمهارات والمعلومات.. تضعه داخل بيتك.. ثم يبدأ المشوار.. لا تعرف أحداثه.. لا تعرف نهايته حتى وإن كانت مكتوبة.. ومسجّلة بشكل رسمي.. ** أخيرًا طلع الهدف.. نادى المنادي.. هرولت تاركًا الانتظار لغيري.. استقبلت عاملة المنزل بحرارة.. كل هذا العناء من أجلها.. نظرت إلى سحنتها.. وإلى قامتها.. وإلى حقيبتها الصغيرة.. استلمت الجواز.. بحثت عن اسمي.. فوجدته.. زاد حرصي.. أصبح في قبضتي.. نظراتي للعاملة لم تختلف عن نظرة الأب لابنته.. غرقت في المشاعر الإنسانية.. أقول لنفسي: ماذا لو كانت هذه ابنتي؟!** مشهد استقبال عاملات المنازل وصف غير ثابت.. يمثل حالة الشخص بكل مكوِّناتها.. في حالتي كانت الدهشة والتعجب تأخذ مجراها.. أحيانًا يأخذ الاستغراب أبعاده.. تستقبل شخصًا غريبًا.. ترحّب بشخص مجهول الطباع والثقافة والمهارات والمعلومات.. تضعه داخل بيتك.. ثم يبدأ المشوار.. لا تعرف أحداثه.. لا تعرف نهايته حتى وإن كانت مكتوبة.. ومسجّلة بشكل رسمي.. وممهورة بأختام لها قيمة ومعنى ومسؤولية.** تحدثت معها ببعض كلماتي العربية.. أتبعتها ببعض الكلمات الإنجليزية.. محاولًا إظهار لطفي ومودتي.. تحدثت هي الأخرى بالعربية.. فرحت.. زاد فرحي عندما تحدثت باللهجة اللبنانية.. تذكرت (هيفاء).. تحاول تقليص شحوم نساء العرب وزيادة لياقتهن.. تردد: (وح، تنين).. (شمال، يمين).. لكن الست (صباح) العملاقة.. كانت الأفضل وهي تردد: (جوزي جندي بالجيش.. أديش بحبه أديش).. طبعًا لا ندري أي جيش.. الكل جنود وكفى.** كان الاستقبال صباح يوم خميس.. أشياء كثيرة تشدّنا لهذا اليوم.. مَن ينسى أغنية ليلة خميس؟!.. هناك أسماء أفراد يحملون اسم (خميس).. أشهر الفعاليات.. كانت في سوق الخميس بالأحساء.. تحوّل إلى سوق (هونق كونق) ببضاعته المتنوّعة.. أخيرًا ذاب في صحراء الفتك بالموروث.** مشينا إلى مكان السيارة.. كانت العاملة تتبعني في صمت.. كنتيجة كانت خطواتي بطيئة.. خرجت من المطار راكبًا السيارة.. كأني عصفور خرج من قفصه.. لكن عبر طريق أسود.. بسرعة لم تزد على (120) كم/ ساعة.. في الطريق شاهدت أشياء كأنني لم أرها في حياتي.. حتى الرمال كأنها شيء جديد على كاتبكم.. طريق بطول يزيد على (30) كم.. المسافة بين المطار والدمام.. تحف بالطريق الأرض الجرداء من كل اتجاه.. تعبر تحت الطريق أنابيب الخير البترولية.. وتعتلي سماءه ممرات الطائرات.. لا تراها.. لكن تحس بوجودها..  وتأتي الاسئلة بدون أجوبة.. عندها ترجع إلى عقلك تحاوره فتجده غائبًا.. وترجع إلى رشدك فتجده معطل الاستيعاب.. ثم تبحث عن نفسك فتجدها ولا تراها.** على الطريق تشاهد حبات الرمال تتحرك في غير هدى.. تدحرج على مادة الطريق الاسفلتية.. هذا بفعل هبوب الشمالية.. أدرت موجة الحياة لضيفتي.. شرحت لي ما خفي.. كانت في الدمام العام الماضي.. قبلها كانت في لبنان.. اليوم عادت إلى الدمام.. مع المعلومات طاف بي هم التنبؤات والظنون.. ماذا يخفي القدر مع هذه الإنسانة؟!.. تركت أهلها لتعمل في بيت بعيد لا تعرفه.. تركت السؤال للأقدار.. وصلت إلى البيت.. وجدت الجميع في استقبال ضيفهم الجديد.** للاستقبال وحرارته مبرراته.. وأسبابه.. قبل عامين.. وبشكل مفاجئ.. طلبت عاملة المنزل الإندونيسية السفر.. عاشت بيننا أكثر من (6) سنوات.. أتت براتب (600) ريال شهريًا.. وفي كل عام.. وكعادة.. أرفع الراتب إلى أن وصل إلى (1300) ريال.. وكان لها أيضًا الكثير من الهدايا في كل عيد ومناسبة.. بجانب دفع تكاليف عفشها الزائد.** مع مغادرتها.. توقف الاستقدام.. لم يعُد أمامنا سوى دول إفريقيا أو سريلانكا شرقًا.. كل هذا مقدمة.. لمصيبةٍ قادمةٍ سأرويها لاحقًا.. المعاناة لا تتوقف.. تأتي بأشكالٍ مختلفة وكأننا نبحث عنها.. في طفولتي.. شاهدت أمّي ونساء قريتي.. حافيات الأقدام.. رؤوس تحمل حزم الحطب.. وأطفال معلقون على الأكتاف في جوف جلد ماعز.. أمامهن تمشي الغنم.. حتى اليوم لم تغرب شمس معاناتهن.. لكنها تتجدد مع وصول كل عاملة منزل.