د. مبارك الخالدي

عبده خال وأدريانا ليسبوا وجها عملة واحدة

ربما كانت الصحفية نسرين البخشونجي على يقين بأنها ستتلقى رداً بالإيجاب من الروائية البرازيلية أدريانا ليسبوا على سؤالها عن تأثرها بأدب باولو كويلو. بيد أن الرد جاء حاسماً بالنفي: "في الحقيقة لم اقرأ له أبداً" (الدوحة، ع63). كان ذلك النفي الأول، وكان عن نوع علاقة الذات بالآخر كويلو، أما النفي الثاني فقد جرد كويلو من (برازيليته): "لا يعتبر كويلو كاتباً برازيلياً بقدر ما هو ظاهرة عالمية". وتردف بالنفي الثالث الذي أجهز على انتماء كويلو للأدب البرازيلي "لأنه اعتمد على تقديم عالمه الخاص في رواياته" (ص 87). وتضيف أنها تحترم ما حققه عالمياً وتؤمن بذكائه، لكن أسلوبه لا يعجبها. يبدو أن جواب ليسبوا لم يفاجئ البخشونجي كما يظهر في استئنافها الحوار بطرح السؤال التالي دون التوقف عند جوابها بنفيه ذي الثلاث شعب، خصوصاً عند نفي انتماء أدب كويلو للأدب البرازيلي.لا أرى فيما قاله خال وليسبوا إهانة للحميدان وكويلو على التوالي، أو إنقاصاً من أهمية وقيمة إبداعهما. أُرَكِّزُ على ما روته الصحافة من كلام خال بالذات لتبديد الخلط الواضح بين الريادة والتأثير، وهو الخلط الذي يبدو سبباّ لاستياء السالم، إذ لم اقرأ في المروي من كلام خال ما يدل على نفيه وإنكاره ريادة الراحل الحميدان (رحمه الله). لقد نفى خال تأثره بالحميدان، وهو بذلك يصرح بحقيقة عن تجربتيه القرائية والإبداعيةتذكرت حوار البخشونجي مع ليسبوا، وأنا اقرأ ما نشر عمّا سمي بالتراشق  أو "الجدل الساخن" بين عبده خال والشاعر زياد السالم أثناء تأبين الروائي الراحل إبراهيم الناصر الحميدان (رحمه الله) في ليلة من ليالي معرض الكتاب. ثمة شبه كبير بين ما قاله خال في ذلك المساء وبين إجابة ليسبوا، فكلاهما صَرّحَ بما قد يصدم البعض لكسره أفق توقعهم، أو يثير غضب البعض الآخر، من  يرون فيه إساءةً إلى سمعة الروائيين، وخفضاً لمكانتيهما العاليتين، كل على حدة وفي موطنه.الحقيقة، لا أرى فيما قاله خال وليسبوا إهانة للحميدان وكويلو على التوالي، أو إنقاصاً من أهمية وقيمة إبداعهما. أُرَكِّزُ على ما روته الصحافة من كلام خال بالذات لتبديد الخلط الواضح بين الريادة والتأثير، وهو الخلط الذي يبدو سبباّ لاستياء السالم، إذ لم اقرأ في المروي من كلام خال ما يدل على نفيه وإنكاره ريادة الراحل الحميدان (رحمه الله). لقد نفى خال تأثره بالحميدان، وهو بذلك يصرح بحقيقة عن تجربتيه القرائية والإبداعية. لم يتأثر بالحميدان لأنه لم يقرأه مبكرا، أو في مرحلة البدايات في الكتابة. وليس في ذلك ما يزعج على الإطلاق.  يعزو خال عدم تأثره ومجايليه بالحميدان إلى وقوعهم تحت تأثير جيل السبعينات، وإلى تتلمذهم على كتاب القصة القصيرة التي فرضت هيمنتها على "الفضاء الثقافي" في تلك الفترة. أما قراءة الحميدان فقد جاءت متأخرة، بعد قراءة الكتب الآتية عبر الحدود، ومنها المترجمة. يشير خال هنا الى حقيقة هامه وبديهية وهي أن التأثرَ نتيجةٌ وأثرٌ للقراءة، ولا يرتبط حتمياً وسببياً بالريادة. انه لم يتأثر بالحميدان لوجود حواجز أبعدته وغيره عن تجارب من سبقوهم (الشرق، ع 463).قراءة خال للأدب المترجم، أدب البعيد، وتأثره به مسألة تعيدني إلى ليسبوا و تأثرها بالروائي البرتغالي جوزيه ساراماجو الذي فازت بجائزته لأدب الشباب عن روايتها (السيمفونية البيضاء). تقول ليسبوا انها بدأت بقراءته في التاسعة عشرة، ورغم صعوبة أسلوبه أحبت رواياته، وتقرؤها أكثر من مرة على فترات متباعدة، وتؤكد أنه إنسان خلوق، يستحق كل التقدير والاحترام . ليسبوا لا تقرأ روايات مواطنها كويلو، فبديهياً لن تتأثر به، لكنها تحترم مكانته الأدبية العالية. وأنا متأكد أن خال يكن للحميدان ولمنجزه الكثير من الاحترام ويعترف بريادته.انتماء كاتبين أو كتاب إلى وطن واحد، أو موروث ثقافي واحد، قد لا يؤدي الى تأثر بعضهم بالبعض الآخر، بكلام كهذا أجاب الروائى الأمريكي من أصول ايرلندية ويليام كينيدي عن سؤال مُحَاوِرَيْه لاري ماكّافيري وسيندا غريغوري عن تأثره بالكتاب الايرلنديين مثل بيكيت، وجويس، وييتس، والأمريكي- الايرلندي فيتزجرالد. ذكر انه يعيش باستمرار مع جويس وييتس ـ لكن قائمة المؤثرين عليه تخطت حدود ايرلندا وأمريكا.