د. محمد حامد الغامدي

هل أنت عازف النّـاي؟!

** لكل فرد عاداته الخاصة.. يمارسها بحب ورغبة.. وله منابر.. يحترمها.. ويرتاح للتفكير في ملامحها.. له هوايات.. يبحر بنفسه عبرها.. يتغنى بنتاجها.. ويفتخر بتأثيرها.. الفرد كيان مستقل.. لا يتوقف عند حدود.. يعتمد على شعارات ومُثل.. نختلف ونتفق حولها.. الفرد نسخة واحدة لا تتكرر.. لكنه نسخة مطورة.. من نسخ قديمة.. أجيال تعقبها أخرى.. أجيال لها تفسيرها.. واستنتاجها.. وقراءتها الخاصة بـ(الحياة).** أي شيء يراه الفرد ويدركه يمكن قراءته.. يستطيع الولوج في أعماق أي مشهد لانتزاع الدروس والعِبر.. نتعلم مما نشاهد.. نتعلم مما نقرأ.. نتعلم مما نسمع.. نتعلم مما نمارس.. لكن هل نتعلم مما نقول؟!.. كل شيء في حياتنا مشهد.. الزمن مصفوفة من المشاهد.. كل مشهد يمثل لحظة عابرة.. مشاهد الحياة شريط لا يتوقف.. هل نستطع قراءة كل مشهد؟!**  المشي اليومي من عادات كاتبكم.. أجبرته مشاهد الحياة على ممارستها.. بـ(التأكيد) ليس حافي القدم.. غرست قدميّ في حاوية.. وكما أن لكل مقام مقالًا.. فإن لكل مشوار (حذاء).. المشي يحتاج إلى (حذاء) رياضي.. نقنع أنفسنا بـ(مواصفاته).. يقولون عنه عالي الجودة.. له (ماركات) مشهورة.. صناعة عالمية تنافس.. بـ(مشجّعين) حول العالم.. إلى أن وصل إلى قدميّ.. وكنت أمشي حافي القدم في مراحل من حياتي.. ملامحها موجودة على جلد قدمي إلى يومنا هذا.عندما تكون في خلوة مع ذاتك.. ستجد أنك أمام شيء عظيم.. له حقوق.. أنت من تبنيه وتشكّل قواه.. ذاتك كائن تراه ولا نراه.. بقدر ما تراه عظيمًا بقدر ما تكون أنت عظيمًا أمام الجميع.. كل إنجاز بشري سبقه حديث مع الذات.. الإنجاز ثمرة الحديث والحوار مع الذات.. كل إنجازات البشر الحضارية نتاج وثمرة الحديث مع الذات.. من لا يتحدث مع ذاته لا يُنجز ولا يُحقق تقدمًا.** على (كورنيش) الدمام نقلني الزمن والعمر وأعماق الرغبة.. لممارسة عادة المشي.. وحتى لا تصيب كاتبكم أحد أنواع قوى (النّظلة) العربية.. لن أبوح بالمسافة التي أقطعها يوميًا.. (النّظلة) علم عربي عريق.. يُسمى (العين).. يدعي البعض بأنها قوة مشابهة للرصاص الأحمر في تأثيرها.. يقول بعض الرواة.. يمكن علاج جروح الرصاص ولا يمكن علاج جروح (النّظلة).. البعض يدّعي أنه يعرف بعض منصات إطلاق (النّظلة).. إذا كان يعرفها.. فلماذا لا يُبلغ مجلس الأمن؟!.. ولله في خلقه شؤون.** على (الكورنيش) أتمتع بـ(مشاهد) من مسرحيات البشر حولي.. أتلذذ بقراءتها.. كأني أقرأ كتبًا كثيرة دفعة واحدة.. كل فرد مشهد قائم بذاته.. بعض المشاهد ذات قيمة.. بعضها تقل أهميته إلا في وجوده حيًّا يتحرك.. البعض لا يُعطي أي انطباع عن ذاته.. غير جاذب لقراءته أو جاذب لـ(التسكع) في مجاله.. لكن يمكن قراءة تضاريس الفرد.. ويمكن الإبحار عبرها إلى آفاق ليس لها حدود.**  إليكم نموذج من المشاهد.. رسخ في الذهن عبر قراءته.. وتحليل وحفظ مكوّناته في الذاكرة.. تلذذت بكل حذافيره.. شاهدته في أناقة ظاهرة.. جالسًا على قطعة أسمنتية.. مستطيلة الشكل.. لها طول وعرض.. يجلس عليها بهيئة مريحة.. وللمقعد ساند أسمنتي مستطيل.. كلتا القطعتين تشكّل جزءًا من مجموعة مترابطة من القطع.. تحملها قوائم مغروسة في جوف الأرض.. مشهد يؤكد أن الأرض أم الجميع.. يجب احترامها وحمايتها والاهتمام بها وصيانتها.**  البحر أمام المقعد.. كنتيجة ليس للجالس أي خيار غير النظر إلى البحر.. ماء لا تستطيع لمسه.. جعلوه بعيدًا بحواجز.. هكذا جعلوا البحر في (الدمام).. تراه ولا تلمسه.. شواطئ آخر زمن.. حتى مياه البحر حالوا بيننا وبينها بصخور يصعب تجاوزها.. الإنسان قادر على التكيف.. كنتيجة، جعلوه يجلس غصبًا تجاه البحر.. يخاطبه دون لمس.** تمتد على فخذية حقيبة سوداء.. مفتوحة بزاوية خط الاستواء.. تحمل أنابيب كثيرة.. يداه تحمل أنبوبًا.. يرتكز أحد طرفيه على شفتيه.. عرفته.. هو النّاي.. انساب صوت النّاي إلى مسامع البحر وكل مَن يسمع.. كان مروري لحظة جاءت صدفة.. فكانت جزءًا من المشهد.. اقتربت.. سمعت لحنًا له أبعاد.. كان وحده على المقعد.. شاهدت أمامه طائرًا فوق البحر.** هل كان يعزف لمياه الشاطئ المحبوسة أم للطائر المحلّق؟!.. أم لذاته العظيمة؟!.. أم للماضي الذي مرّ عليه؟!.. أم للمستقبل الذي ينتظره؟!.. أم لشيء لا نعرفه؟!.. في كل الأحوال.. كان يتحدث مع ذاته بعبقرية.. صوت النّاي نتاج ذلك الحديث.. عازف النّاي وهب التفكير والتأمّل.. ذكّر كاتبكم بالمشاهد الحضارية للإنسان.** عندما تكون في خلوة مع ذاتك.. ستجد أنك أمام شيء عظيم.. له حقوق.. أنت من تبنيه وتشكّل قواه.. ذاتك كائن تراه ولا نراه.. بقدر ما تراه عظيمًا بقدر ما تكون أنت عظيمًا أمام الجميع.. كل إنجاز بشري سبقه حديث مع الذات.. الإنجاز ثمرة الحديث والحوار مع الذات.. كل إنجازات البشر الحضارية نتاج وثمرة الحديث مع الذات.. من لا يتحدث مع ذاته لا يُنجز ولا يُحقق تقدمًا.. التفاؤل نتاج الحديث الإيجابي مع الذات.. كنتيجة قالت العرب: تفاءلوا بالخير تجدوه.