حسن السبع

حوار الطُّرْشِ ألطف !

يوجد بعض أوجه الشبه بين حوار الطُّرش (الطُّرشان) وبعض أشكال الحوار «المتلفز»،  فكلاهما غير منتج. في حوار الطُّرْشِ يتحدث زيد وعمرو في وقت واحد، وللطُّرشِ عذرهم، لأنهم لا يسمعون، وليس لغيرهم عذر. وفي ذلك الحوار لا علاقة للرأي الذي يطرحه زيد بالردّ الذي يطرحه عمرو. و .. «شتَّان بين مشرِّقٍ ومغرّب». لكن حوار الطُّرْشِ أرحم وألطف وأظرف، ولو لم يؤدّ إلى نتيجة تُذكر، لأن ذلك الحوار لا يميل إلى تأكيد الذات، ولا يتسم بالتوتر والانفعال، ولا يتسبب في ارتفاع ضغط الدم، ولا يتحول في نهاية المطاف من العام إلى ما هو شخصي، أو من الموضوع إلى الذات، لينتقل المتحاوران من نقاش الأفكار إلى نقاش الأشخاص. أذكر طرفة رواها لي أحد الأصدقاء عن أستاذ جامعي كان إذا جاوز محدّثه جانب الصدق والموضوعية، وقبل أن يلوذ بالصمت،  يمسح براحة يده أقرب موضع إليه (جدارا كان أو طاولة) ثم يضرب بجبهته عدة مرات الموضع الذي مسحه، إمّا  تعبيرا عن احتجاجه، أو ربما ليخلص رأسه مما علق به من لغو!

 يبهرك مسمى الوظيفة، وعادة يكون المسمى «أطول من ليل الضرير» مثل: مدير مركز الدراسات والبحوث الإستراتيجية والقانونية والعلاقات الدولية، وحين يأتي دور مداخلته ويتكلم لا تملك إلا أن تضحك، ثم تمد رجليك ولا تبالي!  

** عندما تمدُّ رجليك ولا تبالي!عندما يملأ الشاشةَ شكلاً وأناقة مشاركاً في أحد البرامج الحوارية، تقول على الطريقة الشعبية : «خمسة وخميسة» خوفا عليه من عيون المشاهدين! ثم يبهرك مسمى الوظيفة، وعادة يكون المسمى «أطول من ليل الضرير» مثل: مدير مركز الدراسات والبحوث الإستراتيجية والقانونية والعلاقات الدولية، وحين يأتي دور مداخلته ويتكلم لا تملك إلا أن تضحك، ثم تمد رجليك ولا تبالي!«عابر» آخر يهرف، سياسيا، بما لا يعرف، فيردد بثقة متناهية ما تنقله وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي وكأنها حقائق مؤكدة، وعندما تقول: «هات برهانك على كل ما تقول» يجيبك قائلا : «وهل يمكن حجب الشمس بغربال؟» تقول له : «لا.. لا يمكن حجب الشمس بغربال»، لكن هذه العبارة لا تصلح إجابة عن السؤال، فيرد عليك بعبارة أخرى مشابهة تقول : «وضَحَ الصبحُ لكل ذي عينين»! وعندما تنهمر عليك كل تلك العبارات التي تُبقي سؤالك معلقا بين السماء والأرض.. فإن من حقك أن تمد رجليك، مرة أخرى، ولا تبالي! ** كم تريدها أن تكون يا سيدي؟ تضطر، أحيانا، إلى أن تضحي بقليل من وقتك في قراءة «ثرثرة» ما. فأنت لا تعرف الرأيَ الصائبَ ما لم تطّلعْ على نقيضه، والأشياء تعرف بأضدادها. وقد يخطر على بالك، أحيانا، وأنت تقرأ لهذا «الجهبذ» أو ذاك، الاحتفاظ ببعض ما يكتب لتقرأه بعد عام أو عامين: أي حين تثبت شواهد الأيام تهافته، أو لتقارن بين رأيٍ سابقٍ وآخر لاحق. فالكاتب الموظف يتلون وفقا لواجبات وظيفته، ووفقا لرغبات من يدفع للزامر. يذكرني ذلك النموذج بالنكتة التالية: في مسابقة لإحدى الوظائف، كان سؤال المقابلة الشخصية هو (2+ 2 = ؟) وكان جواب المتسابقين (4)، وفشلوا في الحصول على الوظيفة، لكنَّ متسابقا واحدا أدرك سر فشل زملائه، وعندما جاء دوره، وسأله المدير (2 + 2 = ؟) ردَّ قائلا : «كم تريدها أن تكون يا سيدي؟» ففاز بالوظيفة. يذكرني ذلك النموذج، أيضا، بقول الشاعر أبي العيناء : «ثَكَلَتْكَ أمُّك هَبْكَ من بقرِ الفلا.. ما كنتَ تَغْلَطُ مرة بصوابِ»!