مجلة تصنع الأجيال
بعد مضي ما يزيد على خمسين عاما.. ظلت مجلة "العربي" الكويتية هي سيدة المجلات الثقافية العربية، وخلال عمرها المديد، ظهرت عشرات المجلات الثقافية التي حاولت اللحاق بها ولم تستطع، حتى تقطعت أنفاسها فاعلنت عجزها عن تحقيق هذه الغاية وأصبحت أثرا بعد عين، وظلت "العربي" شامخة عصية على التراجع، متعالية على الخنوع لجبروت الأحدات وقسوتها في أشد فترات التاريخ العربي المعاصر ظلما وظلاما، عندما دفعت رعونة السلطة صدام حسين لغزو الكويت، بل ازدادت شبابا وتفاعلا مع العصر، مؤكدة حرصها على أن تسبق العصر كما كانت منذ بدياتها الأولى، وقد تربت على هذه المجلة أجيال كانت تفاخر باقتناء أعدادها والاحتفاظ بها لقوة مادتها الثقافية من جهة، ولأنها علامة بارزة على وعي قرائها، حتى أصبحت أعدادها الأولى عملة نادرة حرص الكثيرون على اقتنائها، وكان القراء يتداولون أعدادها فيما بينهم ليقرأ العدد الواحد أكثر من قارئ، وهي حاله نادرة امتدت من شرق البلاد العربية إلى مغربها، في وقت مبكر نسبيا من حياة الثقافة العربية المعاصرة، يوم لم تكن وسائل النقل والاتصال متيسرة بين المشرق والمغرب كما هي في الوقت الراهن، ورغم كل هذه العقبات، كان حضور "العربي" لافتاً في كل البلاد العربية، ودون استثناء، وهو أمر لم تحققه أية مجلة ثقافية أخرى. أن من أهم إنجازات هذ الملتقى الثقافي الكبير، أنه أتاح للمشاركين فيه من المثقفين العرب فرصة اللقاء والتعارف، وتبادل الآراء حول قضايا الأمة في ظل أحداث الربيع العربي، وما أحدثته من تغيير لكثير من القناعات التي كانت سائدة، وما تمخض عن تلك الأحداث من حالات مربكة لكثير من الأمور المصيرية والمؤثرة في واقع ومستقبل الأمة العربية.وزاد من أهميتها إصداراتها المتنوعة، وملتقياتها السنوية، فإذا كانت تستكتب المثقفين من جميع أنحاء العالم العربي، فإنها لم تكتفِ بذلك، بل سعت لاستقطابهم إلى أرض الكويت في ملتقاها السنوي، الذي انتهت نسخته الثانية عشرة قبل أيام، والذي أقيم تحت شعار "الجزيرة والخليج العربي: نصف قرن من النهضة الثقافية" وهي التي أسهمت بشكل وافر في هذه النهضة الثقافية خلال نصف قرن، وفي هذا الملتقى أسهمت نخبة من النقاد العرب من الكويت وخارجها، في معالجة الكثير من القضايا الثقافية والفكرية العامة، من خلال أوراق العمل التي قدّمتها هذه النخبة من المختصين.. في هذا الملتقى، خاصة فيما يتعلق بالفنون السردية والتشكيلية والمسرحية والسينمائية، وزاد من أهمية هذا الملتقى تسليطه الضوء على حياة الروائي الكبير عبدالرحمن المنيف، ودوره الريادي في الانتقال بالرواية العربية إلى آفاقٍ رحبة، اقتربت من هموم عامة الناس في سعيهم الدؤوب لتحقيق الحرية والعيش بكرامة، بمحاربة التخلف، وإدانة الظلم، وتأصيل القيم الفنية التى ترتفع بالعمل الإبداعي إلى آفاق إنسانية أكثر وعيا في إدراك الواقع، وفي تمثل قضاياه، وتسليط الضوء على ما خفي من الجوانب المظلمة في الحياة، ولم يكن الشعر غائبا.. بل نال نصيبه من فعاليات الملتقى من خلال الأمسية الشعرية التي أحياها عدد من شاعرات وشعراء الخليج العربي، وكذالك الندوة التي قدمت عن شعر الجزيرة العربية المعاصر، وهو ملتقى تكللت أعماله بتوصيات تستشرف مستقبل أفضل للثقافة العربية في هذا العصر، وتمنحها القدرة على مواجهة التحديات الشرسة التي تواجهها من كل الجهات.ومن نافلة القول التأكيد على أن من أهم إنجازات هذ الملتقى الثقافي الكبير، أنه أتاح للمشاركين فيه من المثقفين العرب فرصة اللقاء والتعارف، وتبادل الآراء حول قضايا الأمة في ظل أحداث الربيع العربي، وما أحدثته من تغيير لكثير من القناعات التي كانت سائدة، وما تمخض عن تلك الأحداث من حالات مربكة لكثير من الأمور المصيرية والمؤثرة في واقع ومستقبل الأمة العربية."العربي" هي صانعة الأجيال بجدارة، فلا عجب أن تزداد تألُّقاً مع مرور الزمن.