عالم الإبداع: شجاعة وخوف
ربما يتصف المشتغلون بالثقافة بصفات سيئة كثيرة، وغباء اجتماعي في كثير من حالاتهم، لكنه ليس من سماتهم المميزة "عدم الفهم"، وإلا لما فهموا أبعاد الثقافة التي يشتغلون بها. بل قد يكون "فهمهم" هو مصدر شقائهم في مجتمعات تعاقب الناس على الفهم، وتكافئ آخرين على "البلادة"، أو ضعف القدرات الذهنية، بشرط أن تكون لديهم القابلية للانجراف في الأطر المرسومة. وفي هذا السياق تذكرت مقولة الأخوة التونسيين تعليقاً على إطاحة الشعب التونسي برئيسه السابق زين العابدين بن علي، بعد خطابه الأخير الذي ردد فيه كثيراً: فهمتكم! فأصبح النقاد يرددون بسخرية لاذعة: نحن والله شعب لا يستحي، صبرنا عليه أكثر من عشرين سنة، وهو لم يفهمنا؛ وعندما قال: فهمتكم، أسقطناه!.
نعم نحتاج إلى كثير من الشجاعة، لكي نرى مواطن الحق، ونبدع في توضيحها، لكننا نحتاج إلى أكثر من ذلك من الجرأة، التي تجعلنا لا نتراجع خوفاً من الطعن، أو طمعاً في الراحة وفي الاستقرار النفسي. فدون قلق لا يوجد حافز للتغيير، ودون تغيير لا تتوافر أبسط شروط الإبداع .. فالمشي على الطريق المعبدة ليس إبداعاً!يدعي كثير من المتفيهقين أنهم وحيدو زمانهم في الفهم، وأن لا أحد غيرهم له الحق في فهم ما يقال إلا كما يفهمونه، بغض النظر عن أصول اللغة ومنطق الأشياء البسيطة التي لا يختلف فيها إلا مراوغ أو مغالط. يقول أحدهم ما يريد قوله بألفاظ واضحة، وفي وضح النهار، ثم ينفي ما تدل عليه تلك العبارات، وما يفهمه كل أحد تقريباً، عدا اللاوعي الباطن لذلك القائل المتفلسف. فأعجب كثيراً ممن لا يستطيعون الصمود عند ما يقولونه، فلماذا يتبنون قوله أصلاً، وما دواعي تصديهم للفكر ودهاليزه. أرى كثيراً من الجدليات تبدأ بفكرة شجاعة، لكن أنصار التيارات الفكرية التي تستمر في تبعيج الرؤى المختلفة بشأنها من الفئات الضعيفة التي تبنت أفكار المؤسسين بالمجمل، أو لا تملك الخوف المرتبط بتلك الشجاعة. غريب أمر ذلك الارتباط .. كيف يكون المرء شجاعاً في طرح أفكاره، وفي الوقت نفسه جباناً في مقارعة مناوئي تلك الأفكار. هل ذلك بسبب أن مناوئي ذلك الشجاع يطعنون من الخلف، وهو لا يقدر إلا على من يصارعه وجهاً لوجه؟ أم إن البشر مجبولون على العنف الفكري أكثر من قدرتهم على الإيذاء في أمور الحياة اليومية؟. أذكر مقولة لأحد جهابذة القادة في الحرب العالمية الثانية، وكان أحد المنتصرين في تلك الحرب الكارثية؛ فبعد أن استقرت الأمور للحلفاء في أعقاب هزيمة الألمان، سأله أحد من كان ينتقد إجراءات التحرز التي كان الحلفاء يتابعون فيها عناصر الفكر النازي في أوربا: لماذا تعملون ذلك، وأنتم قد انتصرتم على عدوكم، ولم يكن أحد في السابق يؤيد النازيين إلا خوفاً، ومن خلال القوة التي امتلكوها؟ فرد عليه: نعم كسبنا المعركة، ولكن الحرب قائمة باستمرار. وهل تظن أن الصراع بين البشر قد انتهى؟.فعلاً، البشر جنس مجبول على الصراع، وربما تجد فيه بعض فئاته مبرر وجودها، وترى أنها تحقق من خلاله طموحها في التفوق على فئات البشر الأخرى. لكن الصراع تحول مع مرور الزمن، وتوالي التكاثر والتنافس بين المجتمعات المكتظة على هذه الأرض، إلى صراع وجودي؛ تسعى القوى القادرة من تلك المجتمعات إلى بسط نفوذها العسكري أو الاقتصادي على أكبر قدر ممكن من الموارد، وابتزاز المعرفة والقرار وهيمنة تفسير الأخلاق الكونية ومبادئ التعايش بين البشر. رحمك الله يا غازي القصيبي فقد فهمناك الآن؛ حاولت أن تضع توازناً محلياً في فكرك، ثم سعيت إلى نشر فهم إنساني لتعامل المؤسسات الأممية، لكنك لم تجن ثمار زرعك. هل جرى ذلك لأن العالم متسرع وغير محايد؟ أم لأنك شجاع وخائف في الوقت نفسه؟ كنا نعلم بأنك لم تكن تستطيع أن تقول ما تريد قوله حيث تريد، ولا تريد أن تقول ما لا ينبغي قوله حيث تكون وحيث تمضي بك الأقدار.. فكثير من المرارة تصاحب مثل هذا الشعور، إذا كان المرء غير قادر، أو راغب في بعض الأحيان في توريط نفسه، أو غيره، في مسلسلات من الجدل العقيم، خاصة من شاعر ومفكر صاحب تجربة طويلة في السياسة وفي قول الشعر وفي الكتابة. نعم نحتاج إلى كثير من الشجاعة، لكي نرى مواطن الحق، ونبدع في توضيحها، لكننا نحتاج إلى أكثر من ذلك من الجرأة، التي تجعلنا لا نتراجع خوفاً من الطعن، أو طمعاً في الراحة وفي الاستقرار النفسي. فدون قلق لا يوجد حافز للتغيير، ودون تغيير لا تتوافر أبسط شروط الإبداع .. فالمشي على الطريق المعبدة ليس إبداعاً!.