مطلق العنزي

«نكات» العالم التحتي .. !

صنف الفرنسي الفريد سوفيه في عام 1952 بلدان الكرة الأرضية إلى ثلاثة عوالم: الأول (الدول الصناعية المتقدمة) والثاني (البلدان الاشتراكية وأتباع «منافسيت» لينين) والعالم الثالث ويقصد به البلدان النامية.والحقيقة أن الدنيا «عوالم» بعدد المستهلكات والسحن والوجوه والطبقات ومحميات «التابو».وكل عالم ليس أولاً وثانياً وثالثاً، بل إيضاً علوي ووسطي و«تحتي» و«حلزوني» ومستطرق ومتنوع.والعالم التحتي، يوجد في كل بلد، بل في كل مدينة، إن لم أقل في كل نفس تقريباً.وهذا العالم الأخير المولع بالجريمة وتحطيم القيم وحياة الهوامش، يتشابه ويتواصل أيضاً، وله ثقافته وآلامه وأفراحه وأريحياته وحتى «نكاته» ومعاتباته.من «نكات» العالم التحتي المضحكة المبكية، حدثت في المحكمة التي تنظر في مأساة كارثة سيول جدة، إذ تحاجج، في الأسبوع الماضي متهمان بـ«لهف» عشرات الملايين، في مسألة «الضيافة»، فقد عاتب رجل أعمال متهم باغتصاب أرض بمساحة أربعة ملايين متر مربع، قاضيا قال إنه رشاه بـ«60 مليون ريال»، بأن القاضي لم يقدم له حتى الشاي حينما كان القاضي يفرغ صك الأرض «المنهوبة» في منزله، على الرغم من أن رجل الأعمال جامل القاضي بقوله أن «شقته» التي ارتكبت فيها الجريمة «جميلة»!.وليس على القاضي حرج في مسألة «الشاي» لأنهما، إذا ثبتت التهم عليهما، ليسا إلا لصين، واجتماعهما ليس مناسبة محترمة حتى تقدم فيها الضيافات. ثم أنه لابد أن القاضي كان مستعجلاً ومرتبكاً خشية أن يكتشف. ثم أن الشاي والضيافة قد يفضي إلى التبسط بالأحاديث ثم الصداقة. وعادة المرتشون لا يودون أي علاقات حميمة ولا صداقات مع الراشين بأي وجه، لأنهم يعرفون أن «قيمتهم»، ليست أكثر من «فلوس» التي تسمى أحياناً «وسخ الدنيا»، وأن الراشين قد اشتروهم بالمال مثل أي سلعة ، وليس لهم أي قيمة إنسانية أو أي احترام . ولم ير القاضي، إن صحت الرواية، أية مناسبة لتكريم شخص يحتقره.المهم أن الكارثة قد فتحت عيون الناس على أن المال «سلطة» ويمكنه أن يحني أصلب الرؤوس ويشتري به كل شيء حتى القضاة، الذين يراهم الناس فوق أي شبهات. وكارثة السيول، على الرغم من ألامها، أعطتنا درساً بألا نستمر في سذاجتنا، ونعطي حصانات تلقائية لكل من تمسح بالدين أو تشبه بالتقى والتنسك.ولكن أيضاً يجب ألا يكون سلوك هؤلاء، إن أدينوا، سبباً في الحكم على كل القضاة أو كل المتدينين، وإن تستر كثيرون باللحية ليخدعوا الناس مثل مخادعي العقارات وتوظيف الأموال. فإن القضاة بشر، والقاعدة الطبيعية هي أن الأغلبية العظمى بينهم محترمة وصادقة وأمينة وتتسم بالتقى والصلاح، ولا بد أن الرديئين عباد المال وبائعي الضمير بينهم شواذ ونادرون، وسوف يحاسبون يوماً. وتريومها يمضي.. ثقيلاً.. رتيباً..وشمس الوضيئين تحتجب..تكتب بقلم الضوء حلمها المغيب، في أفق العتمة الصلد..وتهمس لزهرة تتفتح في بهجة الغيم والمطر: سنمسد معاً خصل الشمس الآتية.. ونغرف من الضوء بوحاً للروح..