عن فوز أوباما وقصيدة مايا والطفلة السفينة !
والشاعرة الأمريكية الأفريقية عينةً ثنائية، ونموذجا للتعددية العرقية والثقافية في الولايات المتحدة. بَيْدَ أن مايا أَنْجِلو، وبذكاء شعري وحس سياسي لافتين، عمدت الى كسر إطار هذه العينة الثنائية العرقية واللونية للخروج الى رحابة التعددية الكبيرة للمجتمع الأمريكي بكافة مستوياتها وتفرعاتها. فجاءت الى الحفل ( 20يناير 1993) تحمل قصيدةً لا تتقاطع في بعض «ثيماتها/أفكارها» مع خطاب الرئيس فحسب، بل تحمل كلَّ امريكا في داخلها، إذا صح التعبير؛ ففي قصيدتها (على نبض الصباح)، حضر المجتمع الأمريكي حياً نابضاً بتركيبته السكانية الفسيفسائية، بأعراقه، بأديانه، بثقافاته المتعددة وبتياراته الفكرية وتفضيلاته الجنسية المختلفة، وتجاور القس المسيحي مع الشيخ المسلم، مع الحاخام اليهودي، والقس البوذي. كانت مشاركة مايا انجلو - ولا اشك أن كلينتون قصد ذلك - مؤشراً بليغاً إلى الإنجاز الذي حققه المجتمع الأمريكي في سعيه إلى التخلص من ممارساته التفرقاتية وكل انواع التمييز. لقد وقفت أَنجِلو في الحفل وقفة المساواة مع الشاعر الأمريكي الأوروبي روبرت فروست في حفل تدشين رئاسة الرئيس جون كنيدي في 1961. وتزداد الأهمية التاريخية والرمزية لمشاركتها وضوحا عند تذكر التجربة القاسية والمُهِينَة التي مرت بها الشاعرة فيليس ويتلي، التي يمكن القول إنها الأم او إحدى الأمهات الابداعيات لأنْجِلو.
فاز أوباما لأن امريكا الأغلبية تماهت معه، آزرته، وعاشت تجربته وانتصاره ذهنيا ونفسيا ، وربما حلم كلُّ من صَوّتَ له في دخول السباق الرئاسي، وأنه: (نعم يستطيع) أن يكون رئيسا. فاز أوباما لأن المجتمع الأمريكي لا يكنس أوساخه العنصرية والتمييزية المختلفة إلى تحت البساط ويتظاهر بنظافة وطهورية المكان كما تفعل مجتمعات أخرى.فيليس ويتلي أولُ شاعرة سوداء، وصاحبةُ اول ديوان في الشعر الأمريكي-الأفريقي، وهنالك من يعدها أول شاعرة من الجنسين. في عام1761، وصلت الطفلة الغَامبِيَّة او السنغالية ذات السبع او الثماني سنوات ضمن (شحنة) من المستعبدين الى أمريكا. اشترتها أسرة ويتلي من بوسطن، وسموها فيليس، وهو اسم السفينة التي حملتها من أفريقيا. تعلمت الطفلة الانجليزية والكتابة والقراءة، ليفيق العنصريون في بوسطن، ذات يوم، على وجود شاعرة سوداء بين ظهرانيهم، فأجبروها بتعال واحتقار على المثول في المحكمة للدفاع عن شاعريتها، أمام لجنة مؤلفة من خمسة من أعيان المدينة وعلى رأسهم الحاكم توماس هتشينسون ورجل الدين تشارلز تشونسي. وخرجت ويتلي من الاختبار/المحاكمة بشهادة مصدقة بأنها شاعرة. وعلى الرغم من ذلك رفض الناشرون البوسطنيون نشر ديوانها، فلم يرَ النور إلا في لندن عام 1773م . وقد كتب فولتير، بحس عنصري، في رسالة لأحد اصدقائه أن ويتلي اثبتت أن السود يستطيعون كتابة الشعر.المفارقة المثيرة أن بوسطن التي رفضت نشر ديوان الشاعرة السفينة هي بوسطن التي اعلن منها المرشح مِتْ رَمْنِي خسارته في الانتخابات، واعترافه بفوز أوباما. والحقيقة ان من فاز هو امريكا؛ امريكا المتعددة، الفسيفساء، امريكا التي حضرت في قصيدة أنجلو، امريكا التي تكاد تتجسد في اوباما نفسه، المزيج من اعراق واديان وثقافات مختلفة؛ أوباما الأمريكي الافريقي ، الاوروبي، المسيحي، ابن حسين اوباما الكيني المسلم، الربيب الاندونيسي/الآسيوي، حامل الاسم الثلاثي العبري، العربي، الأفريقي، والياباني (اوباما مدينة يابانية).فاز أوباما لأن امريكا الأغلبية تماهت معه، آزرته، وعاشت تجربته وانتصاره ذهنيا ونفسيا ، وربما حلم كلُّ من صَوّتَ له في دخول السباق الرئاسي، وأنه: (نعم يستطيع) أن يكون رئيسا. فاز أوباما لأن المجتمع الأمريكي لا يكنس أوساخه العنصرية والتمييزية المختلفة إلى تحت البساط ويتظاهر بنظافة وطهورية المكان كما تفعل مجتمعات أخرى. وخسر مِتْ رَمْنِي لأنه والجمهوريين الآخرين لم يدركوا بعد، أو يعترفوا بحقيقة أن أمريكا تضاهي بتعددها اللوني قوس قزح، وأن بوسطن اليوم ليست التي رفضت نشر ديوان ويتلي، الشاعرة السفينة. باختصار، إن الفائز امريكا المساواتية الليبرالية.