سالم اليامي

جدلية الدولة والثورة في البلاد العربية

في البلاد العربية هناك جدل بعد أحداث الربيع العربي بين الدولة والثورة وأيهما صاحب الفضل في إنتاج الآخر، جدل في بساطته يعيدنا إلى فلسفة البيضة والدجاجة أيهما أسبق، ورغم اليقين المبني على القناعات الدينية بأن الله خلق المخلوقات ومن بينها الدجاجة والديك، وبالتالي جاءت البيضة كنتاج طبيعي للعلاقة الفطرية بين هذين المخلوقين إلا أن طرح السؤال بصيغته الإشكالية، وإثارة الجدل حوله لا تزال تجد لها مكانا بين الناس إلى يومنا هذا، وبنفس القدر تتجدد الجدلية الجديدة حول الثورة والدولة مكانها في أذهان الناس وتفكيرهم.

 ولعل من المفيد التأكيد على ما تقرره الدراسات العلمية المعمقة من أن الدولة بالمفهوم العلمي، لم يتم تحقُقها في هذه الفضاءات الجغرافية منذ إعلان هذه البلدان كدول، لأكثر من سبب. وبالنسبة لمفهوم الثورة، فهو مفهوم حديث على الثقافة والذهنية العربية المعاصرة،

جاءت ثورة الياسمين في تونس لتقول للناس إن الجمهورية وأبو رقيبة وابن علي لم ينجزوا شيئاً!! الدولة بالمفهوم العصري، هي الانجاز الأكثر أهمية في القرون المتأخرة، ويحق للعرب الاستفادة من هذا الإنجاز، إذا أعطوه حقه، وقد يحققون مبتغاهم من الدولة دون ثورات، إذا أحسنوا السياسة والإدارة.  وارتبط بحالات معدودة، فخلال سعي العرب لإقامة دولة عربية على أسس قومية، كانت الثورة العربية الكبرى ١٩١٦م التي صاحبت أحداث الحرب العالمية الأولى، واستخدم فيها الإنجليز المجهود الحربي لأبناء القبائل العربية للقضاء على النفوذ العثماني، من المنطقة العربية ولم يتحقق للعرب ما وعدوا به من القوى المسيطرة حينها، بل أكثر من ذلك تم تقسيم المنطقة إلى مناطق نفوذ فرنسية بريطانية، وأعطيت للجانب الصهيوني الوعود التي أنتجت فيما بعد، ما يعرف اليوم بدولة إسرائيل. دُرة الثورات لدى العرب عموماً، كانت الثورة الجزائرية، حيث لقيت تعطفاً غير مسبوق من البلدان العربية على المستويات الشعبية والرسمية، ونتيجة حروب كرٍ وفر، مع المستعمر الفرنسي، الذي احتل الجزائر منذ ١٨٣٠م، وبكفاح استمر سبعة أعوام ونصف وراح ضحيته ما يزيد على مليون ونصف مليون شهيد، أعلنت فرنسا استقلال الجزائر في ١٩٦٢م ومن هذا التاريخ وُلدت الجمهورية الجزائرية فقط. في البلاد المصرية، عُرفت «الحركة المباركة» في بادئ الأمر، ثم أصبحت تعرف بثورة ٢٣ يوليو، وهي انقلاب بدون دماء، لمجموعة من ضباط الجيش المصريين على النظام المدني، والاستيلاء على السلطة وتسيير أمور البلاد بمجلس لقيادة الثورة المكون من ١٣ ضابطاً، هذا الانقلاب أنتج في ١٨ يونيو من نفس السنة النظام الجمهوري في مصر، وأَعْلن نهاية النظام السابق. وعلى الرغم من أن أهداف الثورة الستة كانت في غاية الروعة والرومانسية حيثُ أَعْلَنت القضاء على الإقطاع، والاستعمار، وسيطرة رأس المال على الحكم، والسعي لتحقيق حياة ديمقراطية سليمة، وإقامة جيش قوي، وتحقيق عدالة اجتماعية، إلا أن ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١م جاءت كما يقول الشباب المصري لأنَّ شيئاً من مبادئ الثورة السابقة لم يتحقق! في البلاد التونسية، حديث أكثر عن جانب الاستقلال، الذي تحقق للتونسيين عن المستعمر الفرنسي سنة، ١٩٥٦م وأعلنوا الجمهورية التونسية، المفارقة في الحالة التونسية، أن أول رئيس للجمهورية كان يؤثر لقب، المجاهد الأكبر، ورغم هذا اللقب ذي المسحة الثقافية الدينية إلا أن بورقيبة، اعتمد في تطوير البلاد، استنساخ الحالة الغربية، القائمة على محاكاة البُنى الثقافية والفكرية الفرنسية.وجاءت ثورة الياسمين في تونس لتقول للناس إن الجمهورية وأبو رقيبة وابن علي لم ينجزوا شيئاً!! الدولة بالمفهوم العصري، هي الانجاز الأكثر أهمية في القرون المتأخرة، ويحق للعرب الاستفادة من هذا الإنجاز، إذا أعطوه حقه، وقد يحققون مبتغاهم من الدولة دون ثورات، إذا أحسنوا السياسة والإدارة.