د. ابراهيم العثيمين

ليبيا.. من شرعية السلاح إلى الشرعية الديموقراطية

بعد ولادة عسيرة وصعبة، منح المؤتمر الوطني العام الليبي ثقته بالحكومة الليبية الجديدة التي عرضها رئيس الوزراء علي زيدان بعد أن فشل سلفه مصطفى أبو شاقور في الحصول على ثقة المؤتمر الوطني العام لتشكيلتين حكوميتين تقدّم بهما، إلا أن ما يؤخذ على هذه الحكومه أن مدتها في الحكم والتي لن تتجاوز السنة ونصف السنة كان من المفترض أن تكون حكومة أزمة من المستقلين، كما وعد بذلك علي زيدان إلا أنها جاءت حكومة مترهلة من 30 وزيرًا وائتلافية استرضاء لتجاذبات الكتلتين الرئيستين في المؤتمر الوطني حزب القوى الوطني الليبرالي الذي يضم أكثر من 40 حزبًا «ليبيراليًا»

 ويترأسه محمود جبريل والجناح السياسي للإخوان المسلمين، حزب العدالة والبناء بالإضافة الى المستقلين. الأمرالثاني رغم بعض الاعتراضات من قبل بعض الأعضاء التي قدّمت لرئيس المؤتمر الوطني محمد المقريف بسبب اشتمال الحكومة على بعض الوزراء المحسوبة على النظام السابق من بينهم علي الأوجلي المرشّح لتولي وزارة الخارجية إلا أن اقتحام المتظاهرين لمقر المؤتمر عدة مرات للاحتجاج والركون الى السلاح كأداهٍ للضغط على حكومةٍ حازت ثقة المؤتمر الوطني تكريس شرعية السلاح في مقابل الديموقراطية. فأي تفاوضٍ تحت تهديد السلاح من شأنه يعيق ويعطل ويمكن ان يوئد الديمقراطية الوليدة.

في تقديري تبقى قضية نزع السلاح العائق الأكبر أمام الحكومة الجديدة وأن الاختبار الحقيقي أمام الحكومة هو ألا يقتصر نزع السلاح على قضية خفض الأسلحة من قبل الكتائب والميليشيات  وإنما عن طريق إعادة صياغة عقد اجتماعي تستعيد به الثقة بين السلطة والشعب والتي كانت مفقودة طوال الأربعة العقود الماضية ولم تستطع الحكومة السابقة وحتى المجلس الوطني استعادتها. وهذا يقودنا إلى ملف هام وحساس وهو الملف الأمني والذي يتصدّر كل الملفات أمام الحكومة الجديدة. فأول تصريحات أدلى بها زيدان بعد فوزه أنه سيركّز على إعادة الأمن إلى ليبيا، مؤكدًا أن ملف الأمن سيكون أهم أولوياته «لأن كل المشكلات التي تعاني منها ليبيا تنبع من قضايا أمنية». فخلال أربعة عقود من حكم الديكتاتوري استطاع معمر القذافي أن يزعزع المنظومة الأمنية من خلال حل الجيش وحل الشرطة. فمنذ سنة 1975 وبعد محاولة انقلاب عمر المحيشي قام القذافي بحل الجيش، واستبداله بمبدأ الشعب المسلح وهو أحد المبادئ الرئيسية في السلطة الشعبية وفق الكتاب الأخضر وهي أن جميع فئات الشعب تتدرب على السلاح وبالتالي تمّ حل الجيش وتعويضه بالكتائب المسلحة التي يقودها أبناؤه. ثم بعد ذلك تمّ حل الشرطة واستبدالها بالأمن الشعبي. وبالتالي بعد تحرير طرابلس في 26 أغسطس وفي ظل هذا الفراغ الأمني الموجود في بلد ما زال يشهد نزاعات مناطقية وقبلية وفي ظل انتشار السلاح بشكل كبير بدأ كثير من الكتائب ذات الانتماءات العشائرية والمناطقية تتشكّل واغتصبوا مهام الأمن وشلوا أي دور لمؤسسات الجيش ورجال الشرطة بما فيهم شرطة المرور. وحاولت الحكومة الليبية المؤقتة برئاسة عبدالرحيم الكيب نزع السلاح وإعادة دمج هذه الكتائب إلا أنه في ظل غياب مؤسسة الجيش والشرطة فشلت.  ويؤكد عمر الحباسي الناطق الرسمي السابق باسم الهيئة الوطنية لمعايير النزاهة هذا الفشل بقوله: «عجزت الداخلية عن إعداد خطةٍ أمنيةٍ محكمةٍ تطبّق في العاصمة وتمرّر على كل ربوع البلاد، مما أدى إلى تفاقم الأمور وانتشار الفوضى والسلاح، وكذلك عجز الداخلية عن إعداد خطةٍ محكمةٍ لجمع السلاح». وبالتالي قدرة الحكومة على تكوين جيش وطني يترفع عن الانتماءات القبلية والعشائرية وشرطة حقيقية من المؤشرات التي تدلّ على تحوّل فعلي لدى الحكومة الجديدة ومؤشر على السعي لعودة الأمن والاستقرار وعدم تفجّر الأوضاع والانزلاق الى مستنقع الفتنة الداخلية. ترى أماندا كادليك الباحثة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط أن هناك ثلاثة أمور يتعيّن على الحكومة الجديدة القيام بها للوصول إلى حل لقضية نزع السلاح. أولًا إعداد إستراتيجية وطنية واضحة وطويلة الأمد من أجل نزع شامل للسلاح. ثانيًا، ضبط الحدود الصحراوية الطويلة لمنع دخول السلاح. ثالثًا، إقامة سلطة قضائية فاعلة لمحاكمة مَن يحتفظون بالسلاح بعد انتهاء المهلة المحدّدة لتسليمه. في تقديري تبقى قضية نزع السلاح العائق الأكبر أمام الحكومة الجديدة وأن الاختبار الحقيقي أمام الحكومة هو ألا يقتصر نزع السلاح على قضية خفض الأسلحة من قبل الكتائب والميليشيات  وإنما عن طريق إعادة صياغة عقد اجتماعي تستعيد به الثقة بين السلطة والشعب والتي كانت مفقودة طوال الأربعة العقود الماضية ولم تستطع الحكومة السابقة وحتى المجلس الوطني استعادتها.