اغتيال وسام الحسن وترهل النظام اللبناني
أولها - إنها نتاج مجال سياسي غير مستقر سياسيا. يرى كبار منظري العلوم السياسية: إن من أهم مؤشرات الصراع الداخلي في الدولة والتي تساهم في عدم استقراره هي عدد الاغتيالات السياسية داخل الدولة. فمن اغتيال رياض الصلح أول رئيس وزراء لبناني بعد الاستقلال في الأردن عام 1951 وصولا إلى اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005 والتي تسارعت وتيرة الاغتيال بعده مما طالت العديد من النواب والسياسيين ورجال الدين والصحفيين وانتهاء باغتيال اللواء وسام الحسن الذي اغتيل في بيروت عام 2012 سلسلة من الاغتيالات أسهمت في إبراز التصدع والترنح في النظام السياسي وعدم قدرته على الاستقرار. فالاغتيالات السياسية في لبنان تبدو وكأنها مسلسل بلا نهاية وذلك بسبب طبيعة الصراعات السياسية داخل المجتمع اللبناني بأقلياته وطبقاته وكذلك قربها من منطقة الصراع الرئيسية في الشرق الأوسط.
وان كانت ثورة الأرز أنهت رسميا الوجود العسكري السوري في لبنان الذي استمر من 1976 الى 2005 قرابة الـ 30 سنة إلا أن وجود حزب الله الذراع العسكري لسوريا وإيران أبقى لهذين النظامين اليد الطولى في لبنان. فقد استفادت كلا الدولتين (سوريا وايران) من ضعف الدولة اللبنانية بالاستمرار في دعم حزب الله من خلال بسط سيطرته على كامل مؤسسات الدولة مما أدى إلى تقييد أي ردع من قبل الدولة وبالتالي شل مؤسسات الدولة.والثانية - انها نتاج مجال سياسي مترهل مؤسساتيا. فالوصول إلى رأس الهرم السياسي ورأس الهرم الأمني دون رادع حقيقي ناتج عن رسوخ الترهل في مؤسسات الدولة السياسية والأمنية وتمددها سلطانيا في كامل الجسم الثقافي والاجتماعي للدولة والذي ادى الى انعدام الثقة بالدولة وسلطاتها وبالتالي بروز الاصطفافات الطائفية أو العشائرية التي تقوم مؤسساتيا مقام الدولة وتفوض مؤسساته. فحزب الله بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 وبسبب ضعف الدولة وعدم قدرتها على الضغط على المصالح المادية للحزب لم يعد حزب الله مجرد حزب ضمن الأحزاب اللبنانية الأخرى بل تحول إلى دولة داخل الدولة باستقلال كامل بالموارد والسلاح والتنظيم وذلك نتيجة ضعف الدولة اولا وعلاقاته التحالفية مع إيران وسوريا. فلولا ضعف الدولة لما استطاع الحزب التمدد عموديا وافقيا في مؤسسات الدولة وشل قدرتها على الحركة. لما خرجت الحركات السياسية الفلسطينية في الاردن عن اطار الدولة بشكل يهدد الحكم في الأردن استطاع النظام ان يضع نهاية لوجود المنظمات الفلسطينية في الأردن لما كان يعرف بأحداث شهر أيلول من عام 1970م رغم ان هذه المنظمات كانت مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر مما اعطاها قوة دافعة داخل الاردن الا ان قوة الدولة في الاردن استطاعت اجلاء جميع الفصائل الفلسطينية من الأردن إلى لبنان واعادة الثقة للدولة.والثالثة - انها نتاج مجال سياسي مخترق خارجيا، يذكر عبدالحليم خدام وزير الخارجية الأسبق السوري والذي تولى ملف العلاقات السورية اللبنانية في كتابه «التحالف السوري الإيراني والمنطقة» عن تفاصيل بدايات التورط السوري في لبنان وكيف كان لرئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان السيد موسى الصدر الدور الرئيسي فيها، وكذلك قصة الدخول الإيراني الأوسع والفاعل إلى لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي لأراضيه عام 1982، ويسرد كيفية صعود ونمو النفوذ الإيراني في لبنان من خلال المساهمة في إنشاء حزب الله وطبيعة المهام التي يقوم بها الحرس الثوري الإيراني في أراضيه. وبالتالي فالاختراق الخارجي للبنان من قبل ايران لم يكن وليد الأمس وإنما تزامن مع قيام الثورة الإيرانية والتي كانت تمثل الرئة للثورة الايرانية لمد نفوذها للعالم العربي. وان كانت ثورة الأرز أنهت رسميا الوجود العسكري السوري في لبنان الذي استمر من 1976 الى 2005 قرابة الـ 30 سنة إلا أن وجود حزب الله الذراع العسكري لسوريا وإيران أبقى لهذين النظامين اليد الطولى في لبنان. فقد استفادت كلا الدولتين ( سوريا وايران) من ضعف الدولة اللبنانية بالاستمرار في دعم حزب الله من خلال بسط سيطرته على كامل مؤسسات الدولة مما أدى إلى تقييد أي ردع من قبل الدولة وبالتالي شل مؤسسات الدولة. إن قضية الوزير السابق ميشال سماحة أو ما تعارف على تسميتها بـ «سماحة - غيت» الذي اعترف بتورطه في محاولة تنفيذ أعمال إرهابية في لبنان والنيل من سلطة الدولة وإثارة الاقتتال الطائفي بإيعاز من النظام السوري تظهر جليا مدى التغلغل السوري في لبنان وعدم قدرة الدولة على الردع. وبالتالي فإن المسألة اللبنانية لا تقتصر أسبابها في الحكومة وعدم قدرتها على الحركة بل هي تعبير عن مشكلات حقيقية عميقة تتلخص في غياب مشروع الدولة والتأزم في علاقة السلطة مع جميع فئات المجتمع، ولم تكن هذه الأحداث الثلاثة الأخيرة إلا تعبيراً حقيقياً لهذا الغياب وانعكاساً واضحاً لهذه الازمات البنيوية في النظام اللبناني. كاتب وباحث أكاديمي في جامعة درهام (بريطانيا)