ليس للمُعلِّمِ من «يُطَارِحُه»الإعجَابْ
فحين ينطقون إنما ينطقون بألسنة كبيرة، ويعبرون عن أمانٍ صاغها الكبار، وإلاّ هل يُعقلُ أن من يُصَرِّحُ برغبته في أن يصبح طبيبا ، طفل يملأُ البيت او العيادةَ بالصراخ هلعا وخوفا من الطبيب؛ أو يصبح ضابطا، بينما تنتابه الرعدةُ عندما يلمحُ شرطيا، ولو من مسافة طويلة، بسبب أنه يُهدَدُ ويُخَوٍّفُ دائما باستدعاء الشرطي إن لم «يَعْقلْ ويصير رِجَّالْ»؛ أو يصبح مهندسا وهو لم يصل مرحلة التمييز بين الحساب والجبر والهندسة؟ إنهم الكبار، من يحولون الأطفال لببغاوات تردد الأسماء التي تنقش على حجر ذاكراتهم، وليس من بينها اسمه، لأنه، ببساطة، ليس لِلمُعَلِّم من «يُطَارِحَهُ» الإعجاب.
لقد اهتممنا كثيرا بالمطالبة بتطوير وتنقيح المناهج وبتحسين معاملة المَدْرَسَة للطالب، وغفلنا عن المعلم، وعن التذكير بأنه في حاجة الى التطوير المهني المستمر، والى تحسين وضعه المادي والمعنوي، والى العدل الإداري في معاملته وتفادي الانحياز الخاطئ احيانا لصالح الطالب في حال حدوث أصغر مشكلة!
المعلم الوظيفة، الاسم، لا يقف على منصة واحدة مع تلك الأسماء المضاءة بقناديل «البرستيج» والمكانة الاجتماعية «المرموقة» ماديا ومعنويا. ليس للمعلم في زمننا الفاني هذا غير البيت الذي بناه له أمير الشعراء أحمد شوقي :» قُمْ لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبْجِيلا/كادَ المُعلمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولا»، «بيت من الوهم لا بيت من الحجر» يلوذ به المعلم هربا من الإهمال والعقوق والجفاء، وبحثا خلف اسواره عن مداواة من الوهم لكلومه النفسية. لم تعد للمعلم أهمية خارج ذلك البيت، وهذا ما يفسر سقوطه من القائمة القصيرة جدا للأسماء التي تُوضَعُ في افواه الصغار، وبالتالي سقوط يومه، «يوم المعلم العالمي» خارج دائرة الاهتمام المؤسساتي و الشعبي.مر الخامس من أكتوبر، (يوم المعلم العالمي)، دون أن يثير أدنى درجة من الاحتفاء بالمعلم؛ تواطؤ مؤسساتي وشعبي غريب على دفعه خلف حجب من نسيان لئلا يوقظ فينا جمرة تأنيب الضمير ولوم الذات على التقصير المفجع في حقوقه.«فقدَ المعلمُ هيبته في ظروف غامضة». جملةٌ تُذَكِّرُ بِجُمَلٍ مِثل «قُتِلَ في ظروفٍ غامضة» في اخبار القتل أو الاغتيال، استهل بها الزميل الصحفي مفلح السبيعي تقريره عن وضع المعلم بمناسبة يوم المعلم العالمي، وعنونه بـ»في يومه العالمي..من قتل هيبة المعلم!؟» (اليوم، 6 اكتوبر). ما يتعرض له المعلم في مجتمعنا هو قتل هيبة وقيمة ومكانة؛ قتل مجتمعي، معنوي ورمزي ومادي. وأنَّى لمن يتعرض لهذا القتل المضاعف أن يحلم أو يتوقع، أو نحلم نحن بالنيابة عنه، أن يقف اسمه الى جانب تلك الأسماء المتلألئة، أو يُحْتَفَلُ بِيومِه. يوم المعلم ليس يوم الحب، ولا يوم الشعر، ولا القصة, ولا أي يوم من الأيام الأخرى التي تُنْتَظَرُ بشوق، وتحظى بقدر كبير من الاهتمام والاحتفاء من الناس أو الأدباء ووسائل الإعلام. إنه يوم المخلوق البائس الذي يُخدَعُ ببيت شوقي لعله ينتفخ بفخر ورضا زائفين، ولا يفكر في المطالبة بتحسين وضعه وظروفه العملية والمعيشية.ما هو اسوأ واشد إيلاما من نسيان أو تناسي يوم المعلم العالمي، هو تناسي أنه ليس هناك ما يبهج في وضعه العملي وفي حياته ، أو يثير الإعجاب بهما. لقد اهتممنا كثيرا بالمطالبة بتطوير وتنقيح المناهج وبتحسين معاملة المَدْرَسَة للطالب، وغفلنا عن المعلم، وعن التذكير بأنه في حاجة الى التطوير المهني المستمر، والى تحسين وضعه المادي والمعنوي، والى العدل الإداري في معاملته وتفادي الانحياز الخاطئ أحيانا لصالح الطالب في حال حدوث أصغر مشكلة! فكرة تِّلْوِية: الإنحياز الذكوري فرضته «جِندريةُ» اللغةِ.