د. ابراهيم العثيمين

اليوم الوطني: التحول من المقايضة إلى العطاء

اقتربت من ابنتي ذات الخمس سنوات أداعبها بلعبة قديمة مشهورة ضممت كفي ثم قلت لها ( افتحي الصندوق ) نظرت لي نظرة تعجب لا تخلو من تعالي ثم اقتربت مني وفتحت الصندوق ثم قلت لها ( خذي مقص ) أخذت المقص الوهمي بتكاسل ثم قلت لها ( قصي خشمك )

أعطتني تلك الابتسامة الصفراء دون أن تكمل بقية اللعبة ثم تركتني وهي تتمتم بكلمات لم أفهمها واتخذت لها مكاناً قصياً وانزوت على حالها بعد أن فتحت الآيباد وجلست تلعب به. هذه القصة رغم سخريتها لا تختلف كثيرا عن المعالجة الإعلامية البائسة لذكرى اليوم الوطني للمملكة. وهذا برأيي ناتج عن عقود من النمطية والجمود والركود المستمر في الآلة الإعلامية والتي أدت في آخر المطاف إلى تكرار المنتج الوطني بتراتبية مملة، وبالتالي ضعف أدائه وعجزه عن التأثير. فبسبب هذه المعالجة الإعلامية لا يزال يقتصر وعي الكثير من شرائح المجتمع في هذا اليوم على الإجازة التي تمنح فيه اهي يوم أو يومان او انتظار قرارات ملكية للشعب. وبالتالي لم يستطع هذا الإعلام التعاطي مع هذا اليوم الاستثنائي كحدث تاريخي ووطني يرسخ من خلاله مفهوم المواطنة الحقيقية والانتماء لهذا الكيان الذي استطاع الملك عبدالعزيز رحمه الله توحيده وجعله دولة واحدة قوية تحكم بشرع الله ويعيش أبناؤها في أمن ورخاء.

هذه القصة رغم سخريتها لا تختلف كثيرا عن المعالجة الإعلامية البائسة لذكرى اليوم الوطني للمملكة. وهذا برأيي ناتج عن عقود من النمطية والجمود والركود المستمر في الآلة الإعلامية والتي أدت في آخر المطاف إلى تكرار المنتج الوطني بتراتبية مملة، وبالتالي ضعف أدائه وعجزه عن التأثير. فبسبب هذه المعالجة الإعلامية لا يزال يقتصر وعي الكثير من شرائح المجتمع في هذا اليوم على الإجازة التي تمنح فيه أهي يوم أو يومان او انتظار قرارات ملكية للشعب.أعتقد أن المشكلة نابعة من أمرين رئيسيين الأول مشكلة التعاطي مع التاريخ والاستفادة من عنصر التوثيق فيه وتقديم محتوى إعلامي يجسد ملحمة الكفاح والتنمية التي قادها المؤسس رحمه الله والتي توجت بإعلان قيام المملكة العربية السعودية. فحياة المؤسس رحمه الله هي تاريخ المملكة بكل ما فيها من تحد وكفاح وصبر ونجاح. وهنا تأتي مسؤولية المؤرخين في تزويد المعلومة التاريخية للإعلامي ولا ننسى دور دارة الملك عبدالعزيز التي أنشئت خصيصا لخدمة تاريخ المملكة العربية السعودية وحفظ تراثه ولقد أكد معالي الأمين العام الدكتور فهد السماري أمين عام دارة الملك عبد العزيز في الندوة التي نظمتها هيئة الصحفيين السعوديين تحت عنوان (اليوم الوطني ومضامين الإعلام: وقفة للمراجعة) ان دارة الملك عبدالعزيز على وشك تقديم محتوى ومضمون تاريخي مقنع نتحمّل مسؤوليته. ولقد كان لدارة الملك عبدالعزيز تجربة ناجحة في الفيلم الوثائقي «عبدالعزيز.. والقوى العظمى» الذي عرض في العام الماضي في إطار الاحتفاء بذكرى اليوم الوطني والذي تم عرضه على الدارة التي قامت بمراجعته ومن ثم أقرت بصحة تسلسله المعلوماتي والتاريخي. الا أننا نطالب الدارة بالمبادرة كما أكد معالي الدكتور بتقديم المحتوى التاريخي الذي يصور بدايات تأسيس الدولة السعودية الثالثه على يد المغفور له  الملك عبدالعزيز ومن ثم تجسيدها في قالب وثائقي أو درامي وبأسلوب مشوّق ومميز. أما الأمر الثاني الذي يجب أن يركز عليه الإعلام فهو المفاهيم الكبرى كالوحدة الوطنية والمواطنة  فهي ركائز ومقومات هذا الوطن ومسلمة من مسلمات تطوره وتقدمه. بعيدا عن إثارة الأزمات والاصطفافات الطائفية والمذهبية وأن يقوم الإعلام بإبراز قيمة الانتماء الوطني على قاعدة المواطنة الجامعة والمتساوية وأن يجعلها هدفاً يعمل الجميع على تحقيقه والمحافظة عليه قوامها المزيد من الاحترام الوجودي والمؤسسي لكل شرائح ومكونات المجتمع.وأخيرا أرى أنه من الضروري أن يعاد التأمل في هذا اليوم الاستثنائي وأن يتعاطى معه إعلاميا بما يستحق كوعاء تاريخي ووطني يعاد فيه تعزيز المعادلة الاجتماعية والعلاقات الداخلية للمجتمع لمزيد من الترسيخ وتمتين الجبهة الداخلية وتقوية أسباب الوحدة الوطنية.* كاتب وباحث أكاديمي في جامعة درهام (بريطانيا)