الجُرْح الأمريكي
من المفارقات التي لا أجدُ وصفاً مناسباً لها انه لم يفصل بين يوم الحَرق والقتل في بنغازي، وبين آخر تحذير أصدرته سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في طرابلس أكثر من ثلاثة أسابيع !! حيث صدر في أواخر شهر أغسطس الماضي تحذير للرعايا الامريكيين بعدم السفر إلى ليبيا وبرر البيان ذلك التحذير بما نصه «انّ العنف السياسي الذي يأخذ شكل الاغتيالات، وتفجير السيارات قد زاد في بنغازي، وطرابلس. وتم تقليص الخدمات القنصلية، لأن الأطراف التي تقوم بأعمال العنف ليست تحت سيطرة الدولة» انتهى البيان، ومع ذلك حدث ما حدث في بنغازي.
لا يُتَوقع ان تكون القنصلية الامريكية في بنغازي آخر الاهداف التي ينتقيها خصوم أمريكا لتكون جروحا جديدة في الخاصرة الأمريكية، يعزز ذلك الفهم في ظني كلمة قالها الرئيس الامريكي عشية استقبال جثامين الدبلوماسيين الأمريكيين الذين قضوا في بنغازي حيث قال بالحرف «أمريكا لن تنسحب من العالم بعد أحداث بنغازي» هذا يعني أن أمريكا تُصر على البقاء في خانة اللاعب الكبير والاوحد عالمياً، مما يؤكد، أنه سيكون لها خصوم كِبار، وجراح كبيرة أيضاً.
واشتعلت الأيام اللاحقة بأنباء الاحتجاجات والتوترات في اماكن متفرقة من الدول العربية والعالم الاسلامي احتجاجا على الفيلم المُسيء الذي أُعد في الولايات المتحدة. وتوزع الاهتمام الرسمي الامريكي بين اطفاء الحرائق التي بدأت تشتعل في مقار السفارات والبعثات الدبلوماسية الامريكية، وبين البحث عن الايدي التي قد تكون وراء أحداث بنغازي. وهذه المهمة الصعبة في تقديري التي تواجه الولايات المتحدة الامريكية في الآونة الأخيرة، وتنطوي الصعوبة هنا على أمر اساسي نابع من نظرة الولايات المتحدة الأمريكية لنفسها، وفي ذات الوقت نابع من نظرة الآخرين للولايات المتحدة الامريكية، وتتركز نظرة أمريكا، إلى ذاتها، في مفاهيم القوة والقدرة، وتعدد المصالح، ومشروعيتها، بكلام آخر أمريكا دولة مهيمنة عالمياً، وقادرة على استخدام القوة، لتحقيق مصالحها في كل مكان، وان الوصول إلى هذه المصالح والاستفادة منها حقٌ مشروع. هذه المفاهيم الامريكية من الطبيعي ان تصطدم بمفاهيم وطموحات قوى أخرى، قد تكون هذه القوى دولا، أو منظمات، او جماعات، أو حتى أفرادا . وبالتالي ينشأ الصراع، المؤسف في هذا الصراع انتقاء البعثات الدبلوماسية والعاملين فيها كأهداف مباشرة لضرب مصالح الدول. وقد يستغرب البعض مثلي عندما علمت أنه في خلال العقود الستة الماضية تعرض خمسة من سفراء للولايات المتحدة للاغتيال، وأنّ الهجوم على قنصلية أمريكا في بنغازي يأتي في المرتبة الثلاثين في تاريخ الدبلوماسية الأمريكية. ولا يُتَوقع ان تكون القنصلية الامريكية في بنغازي آخر الاهداف التي ينتقيها خصوم أمريكا لتكون جروحا جديدة في الخاصرة الأمريكية، يعزز ذلك الفهم في ظني كلمة قالها الرئيس الامريكي عشية استقبال جثامين الدبلوماسيين الأمريكيين الذين قضوا في بنغازي حيث قال بالحرف «أمريكا لن تنسحب من العالم بعد أحداث بنغازي» هذا يعني أن أمريكا تُصر على البقاء في خانة اللاعب الكبير والاوحد عالمياً، مما يؤكد، أنه سيكون لها خصوم كِبار، وجراح كبيرة أيضاً.