مأساة بورما : قراءة من خلف الستار
إن المتمعن في المشهد الجيوسياسي في منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ يدرك مليا أن مأساة بورما ما هي إلا حلقة من سلسلة صراع بين القطب الدولي المسيطر : الولايات المتحدة الأمريكية، والقوة البازغة في النظام العالمي : الصين، فالاقتصاد الصيني ـ حسب رأي كثير من خبراء المال والأعمال ـ أصبح يهدد السيادة الأمريكية على الاقتصاد الدولي. ففي حين لم يكن الاقتصاد الصيني يتجاوز 6 بالمائة من حجم الاقتصاد الأمريكي في مطلع الستينات أصبح الآن يتجاوز 50 بالمائة من حجم الاقتصاد في الولايات المتحدة، الأمر الذي أدى إلى إرباك صناع القرار في الولايات المتحدة، وبالتالي لو استمرت معدلات النمو في البلدين على نفس وتيرتها الحالية فإن الاقتصاد في الصين ـ حسب رأي كثير من المحللين الاقتصاديين ـ من المتوقع أن يجتاز نظيره الأمريكي في عقد من الزمان على أقصى تقدير، وعليه فإن الصين مساهم ديناميكي في الاقتصاد العالمي واستمرارها في الصعود يمكن أن يمثل تهديدا كبيرا في طبيعة النظام الدولي واشارة إلى الانتقال الى عالم متعدد الأقطاب.
عموماً، يمكن القول: إن الملف البورمي ما هو إلا صورة لمسرح النزاعات العالمية في آسيا والمحيط الهادئ التي أصبحت أهم منطقة اقتصادية في العالم ومسرحا للقوى الاقتصادية الصاعدة، وبالتالي فالسيطرة على هذه المنطقة ستحدد مستقبل التوازنات وطبيعة النظام العالمي الجديد. كما يرى كبار المحللين الأمريكيين أمثال فريد زكريا في كتابه : « عالم ما بعد أمريكا «، صعود الباقين the ride of the rest.هناك مدرستان متباينتان داخل أمريكا للتعاطي مع الصين بين من يرى إعادة توازن العلاقات وضرورة «الاستيعاب التعاوني» للصين ممثلة في كتابات هنري كيسينجر وزيرالخارجية الأمريكي الأسبق خاصة في كتابه «On China» الذي أكد فيه أن على واشنطن تقبل صعود بكين، وأهمية وجود تعاون سياسي بين كل من البلدين وتحالفات وثيقة أو إجراءات تشاورية تجنبا للصراع من أجل السيطرة على المنطقة، ومدرسة أخرى تدعو إلى مواجهة قوية لنفوذ بكين المتصاعد ممثلة في كتابات أرون فريدبرج Aaron Friedberg أستاذ السياسة والشؤون الدولية في جامعة برنستون والذي عمل مساعد الوزير لشؤون الأمن القومي الأمريكي ومدير التخطيط السياسي وخاصة في كتابه (الصين وأمريكا، والصراع على السيادة في آسيا) A Contest for Supremacy: China, America, and the Struggle for Mastery in Asia . حلل فريدبرج في كتابه الاستراتيجيات التي تعاملت بها الصين والولايات المتحدة مع بعضهما منذ أوائل التسعينات، وخلص الى أن الصين كانت على الدوام قوة ساعية إلى السيطرة، ولمواجهة نمو الصين وطموحها المتزايد، يجب على الولايات المتحدة أن تقف بقوة في مناطق النفوذ الصيني، ويقتبس فريدبرج في ذلك مقولة لي كوان يو رئيس وزراء سنغافورة السابق : «إذا كنت لا تحقق الصمود في منطقة المحيط الهاديء لا يمكنك أن تكون رائدا على مستوى العالم»، ويقول فريدبرج : إذا كنا سنسمح للصين غير الليبرالية لتحل محلنا كلاعب حاسم في هذه المنطقة الأكثر حيوية فإننا سنواجه خطرا بالغا على مصالحنا وقيمنا في جميع أنحاء العالم، ويظهر أن الإدارة الامريكية في عهد أوباما مالت إلى تبني مدرسة المواجهة، حيث أعلن أوباما مطلع العام 2012 استراتيجيته الجديدة بنقل الاهتمام الأمريكي إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ بعد عشر سنوات من الحرب الأمريكية على أفغانستان والعراق، وهو ما يمكن قراءته بوضوح من خلال مقالة وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في مجلة «فورين بوليسي» التي أكدت بوضوح أن مستقبل السياسة الأمريكية سيتحدد في آسيا والمحيط الهادئ، لا في أفغانستان والعراق، ويأتي تصريح وزير الدفاع الأمريكي، ليون بانيتا، لدى زيارته أحد موانئ فيتنام على خليج كام رانه قرب بحر الصين الجنوبي، بأن الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة نشر أسطولها البحري الحربي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ما يُعَدّ تأكيدا وتنفيذاً لاستراتيجية أوباما، ويؤكد بانيتا أن الوصول إلى مثل هذه الموانئ على بحر الصين حاسم بالنسبة إلى تحويل الولايات المتحدة 60 بالمائة من سفنها الحربية وغواصاتها ومدمراتها وسفنها القتالية الساحلية إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ بحلول عام 2020، ويأتي هذا التوسيع للوجود الأمريكي في المنطقة ـ كما ذكرنا ـ في محاولة لتطويق الصين من خلال حصار تفرضه على منطقة بحر الصين الجنوبي وإغلاق ممر ملقا. في المقابل، تحاول الصين كسر هذا الطوق الأمريكي من خلال تطوير علاقاتها مع مينامار «بورما» التي لها امتداد سهل وهام في خليج البنغال فهي تجاور الصين من الناحية الجنوبية الغربية بحيث يطل شمال بورما على الصين وغربها على المحيط الهندي، وبالتالي حاولت الصين توسيع الشراكة الاقتصادية مع بورما للاستفادة من منافذها البحرية لتأمين التدفقات النفطية الآتية من إفريقيا والشرق الأوسط للصين عبر خليج البنغال في حال فرض حصار اقتصادي على منطقة بحر الصين، وفي هذا السياق تقوم الصين بتطوير ميناء بحري عميق وخط لأنابيب النفط والغاز وشبكة للنقل السريع تمتد من خليج البنغال إلى حدود بورما والصين في الشمال. تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها في المقابل قطع الطرق على الصين وحصرها في مواصلة الاعتماد على مضيق ملقا عن طريق زعزعة الاستقرار في بورما بالسعي للإطاحة بالحكم العسكري في بورما من خلال دعم الجماعات الإثنية المسلحة من أجل إشعال ثورة في بورما، كذلك تسعى الولايات المتحدة الى دعم النشطاء السياسين التابعين لحركات المعارضة في بورما والمتمثلة في الدكتورة “داو اونج سان سو كيي” زعيمة حركة المعارضة في بورما الحائزة على جائزة نوبل للسلام. ففي تقرير للمملكة المتحدة عام 2006 بعنوان : «فشل شعب بورما» تم توضيح حقيقة الدعم الامريكي لحركة المعارضة. فقد جاء في التقرير ما نصه : «دعم الغرب للديمقراطية في بورما من أولويات الولايات المتحدة الامريكية في دول شرق آسيا»، وهذا كله من أجل بناء نظام في بورما موال للغرب وعزل الصين والتضيق عليها.عموماً، يمكن القول: إن الملف البورمي ما هو إلا صورة لمسرح النزاعات العالمية في آسيا والمحيط الهادئ التي أصبحت أهم منطقة اقتصادية في العالم ومسرحا للقوى الاقتصادية الصاعدة، وبالتالي فالسيطرة على هذه المنطقة ستحدد مستقبل التوازنات وطبيعة النظام العالمي الجديد.*كاتب وباحث أكاديمي في جامعة درهام (بريطانيا)