يقولون: نعم للطائفية (2-2)
تعلم (Learning) هذه القيم والوعي بفوائدها من قبل الطالب قد يؤدي، في نفس الوقت، إلى نسيان أو طرح(unlearning) كل أو بعض الأفكار المسبقة والصور النمطية والتصورات الخاطئة لديه عن الآخرين. بيد أنني آخذ حدوث هذا على محمل الاحتمال لعدم تأكدي من حدوثه دائما؛ ما أنا متأكد منه الى درجة عالية هو أن معرفة الآخرين والاطلاع على ثقافاتهم على حقيقتها، خارج أطر التشويه والتحريف المتوارث من أزمنة بعيدة ، كفيلة بنزع أو فضح أخطاء ما استقر في وعي الطالب من أفكار مسبقة وصور نمطية تسهم في تحديد سلوكه وتلوين آرائه ورؤيته الى الآخرين المختلفين عنه طائفيا او عرقيا .
يتطلب الاعتماد على التعليم في محاربة التعصب الطائفي تهيئة المدرسة ، بتزويدها بالإمكانات والخبرات وتوفير المناخ المساعد على تعلم قيم التعايش والتسامح واحترام الآخرين باختلاف أعراقهم ومذاهبهم وطوائفهم؛ وعلى فهم مدلولات هذه القيم ، والوعي بالمكاسب التي تعود من ترجمتها إلى أخلاق وسلوك.لن تتحقق معرفة الطلاب بثقافات بعضهم البعض الخاصة والمتعددة بدون انفتاح الفضاء المدرسي لتلك الثقافات. إذا لم يتحقق هذا النوع من المعرفة، لن يتقدم الوطن كثيرا في نضاله ضد كل الاصطفافات المذهبية والطائفية التي تهدد بالتأثير سلبيا على وحدته، إذ أن جزءا كبيرا من الاحتقان والرهاب والتوتر في العلاقات بين الطوائف والمذاهب تعود اسبابه الى الجهل المتبادل بين المنتمين اليها. على جانب آخر، تمثل المنابر الدينية، أينما كان موقعها، جبهة هامة أخرى يجدر توظيفها في المواجهة مع الطائفية لتلعب دورا في حماية بنية المجتمع من التصدع بدلا من أن تكون مصدرا لتلك الأصوات المعاول الرامية الى تصديعها. لقد شهدنا استيلاء بعض المتشددين ومن في قلوبهم مرض الطائفية على العديد من المنابر واستغلالها لصب فكرهم الضال وأحقادهم في أذان المؤمنين. وتعدى البعض ذلك الى تكديس الاسلحة في ظلها. ما أستغله أولئك التائهون لبث روح الفرقة وفتاوى التكفير من الضروري استخدامه في نشر المحبة والتواد وروح التسامح والتعايش والاحترام بين الناس. وفي الإعلام المرئي والمسموع، الرسمي خصوصا، جبهة أخرى تضاهي في الأهمية الجبهتين السابقتين، والمأمول أن يضاعف جهوده في محاربة الفكر الضال، وتعزيز روح الانتماء، ونشر قيم التسامح والتعايش والتآخي. لكنه في حاجة لرفع معالجته لهذه الموضوعات الى مستوى أعلى بالانفتاح ،عبر برامج دينية وتثقيفية على نحو خاص، على التعددية المذهبية والثقافية في البلاد ، وإعطاء مهمة تقديمها للمعتدلين من علماء وشيوخ ومثقفين من جميع التيارات. ستسهم هذه البرامج في تبديد الجهل العارم المتبادل بينها، وتجسيد المساواة بينها، وسيحد من التفات المهمشين الى البرامج العابرة فضائيا للحدود، والتي يبث بعضها الأفكار الهدامة أو ينطق بالعداوة لهذا الوطن. لو حدث هذا، ستضيق البلاد بالمتعصبين وبمن يقولون: نعم للطائفية!