سالم اليامي

الرواية في زمن الرصاص

يَعرف القراء العرب أنَّ الروائي الليبي إبراهيم الكوني كاتب من طراز خاص، اعتاد قراء هذا الرجل، على أسفاره الطويلة والشيقة، عبر الصحراء، واسرارها ودهشتها. وليست مبالغة أَنْ يقال ان هذا المخلوق عشق الصحراء إلى درجة أنه أصبح يكتب عن خلجات نفسه القريبة، والمعبرة، عن ذلك الصمت والفراغ الذي يَعرفه أهل الصحراء، ويعرفون، أنَّه يخفي وراءه الكثير من الحِكم، والعبر، والمعاني.

 في روايته الأخيرة «فُرسان الأحلام القتيلة» اختار الكاتب موضوعاً مختلفاً، يمتاز بالقرب الزمني والذهني من نفسية القارئ والانسان العربي، فنجده يشرح بأدواته، الماهرة، والمحترفة، مشهداً يحكي حدثا تاريخيا ، قل أن يتكرر في حياة الأمم والشعوب، حيث يركز على أحداث من ثورة في حكاية، عبر عوالم منتقاة جلبها للقارئ لتكشف له أحداثا من ثورة 17 فبراير 2011 ، التي اطاحت بنظام العقيد الليبي السابق معمر القذافي. الكوني هنا انتقل من الصحراء وعوالمها، وأسحارها، وغيبياتها، إلى السياسة وأحداثها وتقلباتها، والتي قد تتبدل بين لحظة وأخرى من الخطابة والوعود والتهديد، إلى القتل واراقة الدماء، وقد تأتي بغير المتوقع أحيانا فتزيل وتغير وتُبدل.

الثورة في ليبيا ما زالت طرية، وحديثة عهد في أذهان الناس، وعلى الرغم من المراحل الواعدة في ميدان البناء السياسي البحت، إلاّ أن وقت الرصاص، وزمن الحرب، يندر أن يجد من يتصدى لتصويره أدبياً، وتحميل رموزه بدلالات  لا تخلو من حس يمزج واقع السياسة وويلات الاحتراب، بالأمل والتضحية.الثورة في ليبيا ما زالت طرية، وحديثة عهد في أذهان الناس، وعلى الرغم من المراحل الواعدة في ميدان البناء السياسي البحت، إلاّ أن وقت الرصاص، وزمن الحرب، يندر أن يجد من يتصدى لتصويره أدبياً، وتحميل رموزه بدلالات  لا تخلو من حس يمزج واقع السياسة وويلات الاحتراب، بالأمل والتضحية. الرواية وعبر بطلها القارئ للتاريخ، اتخذت من مدينة ليبية تسمى مصراته، مكاناً دارت فيه أحداث الرواية، التي لا تحمل كثيراً من التعقيدات، في مضمون حكايتها، حيث صورت مواجهات وصمود أهل هذه المدينة ضد قوات النظام السابق، بحكائية تألفها النفس التي تركن للسرد السلس. في أكثر من قراءة نقدية لهذا العمل يبرز بعد المغايرة بين السياسة والحكاية، حتى أن البعض ذهب إلى أنَّ الكاتب ابتعد عن فنه «الحكاية الصحراوية» في هذا العمل. وهناك من رأى أنه خاطر بمباشرة الحدث ، بمعنى الكتابة عن حدث قريب نسبياً ولم يختمر أي الحدث والمقصود به هنا الثورة. ويصبح تاريخاً. كل ذلك في التقدير العام، قابل للأخذ والرد، الأمر الذي لا يمكن تجاهله، الفهم الخاص للراوي وقدرته على استبطان الفعل السياسي ومقاومته، عبر تكثيف أحداث هذه الرواية المصراتية، إن صحت التسمية، التي دار محورها حول السيطرة على مبنى سكني وسط هذه المدينة، الوادعة، حيث يمارس جنود النظام ومرتزقته، لعبة القتل. في رأيي أن إبراهيم الكوني ربما لم يُرد القول صراحة انَّ «الجرذان» والتي كانت واحدة من الشتائم التي استخدمها العقيد القذافي، ليصف بها من يعارضونه، هم من تحولوا إلى اسود، ورجال بطولات كتبوا النهاية التي اصبحت معروفة للجميع، والتي سار إليها القذافي ونظامه، ولكني أعتقد انه كان على وعي كبير بهذه المفارقة التي قلبت المعادلة السياسية على الارض وفي عمق الرواية عبر استخدام تقنية الحفر، في الشوارع والازقة والمباني، للسيطرة على الموقع المقصود، وبالتالي تحرير المدينة، وتحرير الناس. كثير من الأمور في هذا الرواية بشر بها الراوي، أهمها الأمل بالغد الذي يصعب تلمسه، فتمنيت أن يكون حجمه أكثر لأن الناس أحياناً تحتاج إلى الأمل أكثر من حاجتهم للرغيف.