ابراهيم العثيمين

قمة مكة وأزمة دمشق

يأتي انعقاد قمة مكة الاستثنائية للتضامن الإسلامي في ظل تحولات خطيرة تعصف بالمنطقة العربية بعد ما عرف بـ «الربيع العربي»، حيث يعاد تشكيل الخارطة الجيوسياسية للمنطقة العربية وما يترتب عليها من اعادة بناء المحاور والتحالفات العربية بصيغة جديدة. كانت هناك مجموعة ملفات ساخنة حضرت بقوة في اجتماع القمة الإسلامية يتقدمها الملف السوري، والملف الفلسطيني، وكذلك ملف المضطهدين المسلمين في ميانمار. إلا انني سوف اكتفي بالتركيز في عجالة على الملف السوري.ما يمكن التقاطه من البيان الختامي لهذا المؤتمر فيما يختص بالملف السوري هو الظهور بمظهر «الجبهة الواحدة المتماسكة» الذي تمثل في مسألة تعليق عضوية سوريا والتي جرى الاتفاق على هذا القرار بأغلبية مطلقة من المشاركين باستثناء ايران الدولة الوحيدة التي اعترضت على قرار تعليق العضوية. هذا القرار تأتي أهميته كمزيد من الحصار والضغط السياسي والدبلوماسي على النظام السوري فبعد ان سقطت عن النظام  الشرعية  العربية وذلك بعد تجميد عضويته في جامعة الدول العربية التي تمثل المحيط الاقليمي الذي ينطلق منه هو الان يحاصر اسلاميا من خلال تعليق العضوية والتي تمثل دائرة الانتماء الحضاري للنظام. هذان الذراعان العربي والاسلامي اللذان كان يعتمد عليهما النظام السياسي السوري كشرعية لخطابه السياسي وغطاء لصراعاته مع الدول الاخرى فقدهما بخسارة  دعم هاتين المؤسستين. ايضا هذا القرار( قرار تعليق عضوية) هو رسالة تأييد للشعب السوري بأن هذا النظام الذي يتبع سياسة الارض المحروقة اصبح غير مرحب به من قبل المنظمات الدولية وهو كذلك نوع من اضفاء الشرعية للمعارضة بشقيها السياسي والميداني. كذلك يمكن القول ان هذا القرار وغيره من القرارات قد يمهد لغطاء دولي ونوع من الشرعية لتحرك ميداني مستقبلي يساهم في حل الازمة السورية.ما يمكن التقاطه من البيان الختامي لهذا المؤتمر فيما يختص بالملف السوري هو الظهور بمظهر «الجبهة الواحدة المتماسكة» الذي تمثل في مسألة تعليق عضوية سوريا والتي جرى الاتفاق على هذا القرار بأغلبية مطلقة من المشاركين باستثناء ايران الدولة الوحيدة التي اعترضت على قرار تعليق العضوية.نأتي للحديث عن الموقف الايراني من الملف السوري وكيف انعكس هذا بصورة واضحة في مؤتمر القمة.  فإيران الحليفة الاقوى والداعم الاساسي اقليميا للنظام السوري شعر انه في أزمة حقيقية على المستويين الميداني والسياسي . فعلى المستوى الميداني كل أنواع الدعم سواء  المادي او اللوجستي او العسكري والذي هو بمثابة «جيش آخر في الظل» للنظام السوري لم ينجح  في ان يحافظ على قوة النظام واستقراره. فالنظام السوري لم يعد مسيطرا على اكثر من 30 بالمائة من ارض سوريا كما صرح بذلك رئيس الوزراء السوري المنشق رياض حجاب. ذلك علاوة على التصدع في اركان النظام السوري بسبب كثرة المنشقين والذين بلغ عددهم اكثر من 42 من بين مسؤولين عسكريين وأمنيين وسياسيين ودبلوماسيين وصولا الى  انشقاق رئيس الوزراء السوري رياض حجاب والذي يعتبر أرفع مسؤول سوري يعلن انشقاقه عن النظام. أما على المستوى السياسي فيمكن القول ان ايران لم تستطع ايجاد حل سياسي للازمة السورية وهذا كان واضحا في الاجتماع الاخير الذي عقد في طهران والذي سمته ايران اجتماع الدول المؤثرة في الازمة السورية الا ان أغلب الذين شاركوا لم يكن لهم وزن سياسي فعلي حقيقي على المشهد السوري كدول آسيا الوسطى وغيرها . اضف الى ذلك الضعف في التمثيل فاكتفت الدول المشاركة وبينها روسيا والصين وحتى سوريا بالتمثيل على مستوى السفراء باستثناء الوفد العراقي الذي كان اعلاهم تمثيلا شارك على مستوى وزير الخارجية. فمؤتمر طهران كان فاشلا بكل المقاييس ما عكس مدى ضعف إيران في المنطقة ومدى عدم رغبة دول العالم التعامل مع إيران كأداة حل لأي مشكلة دولية. اضافة الى هذه الازمات هناك تأزم حقيقي يشهده الداخل الايراني بخصوص الملف السوري. فالمتمعن في خطاب الرئيس الايراني في مؤتمر مكة والذي استمر قرابة الساعة يرى انه خلا من اي اشارة لا من قريب او من بعيد الى ما يدور في الساحة السورية. وقد يكون ذلك انعكاسا لحالة الارتباك التي يشهدها الداخل الايراني بين اعضاء القيادة حول الملف السوري والذي عكسه بوضوح سلسلة مناقشات المجلس الاعلى للامن القومي الايراني بين المطالبين بالاستمرار في دعم النظام السوري والذي يمثله خط الصقور ممثلا في أفراد من الحرس الثوري مثل حسين طيب رئيس الاستخبارات وبين المطالبين بايجاد بدائل لما بعد الاسد وهذا  يمثله الخط البرغماتي ممثلا في أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سعيد جليلي وبالتالي نجد خطاب نجاد في القمة حاول أن يخرج من الجدل الدائر «بالتركيز على قضية فلسطين». السؤال المهم هنا .. هل استمرار روسيا والصين وايران في دعم نظام الأسد رغم تصدع أركانه وانفلات سيطرته على الارض هو تأكيد ان الصراع السوري الآن أصبح مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بحرب باردة جديدة ما بين المعسكر الإيراني وروسيا والصين من جهة ومعسكر الدول الخليجية وتركيا والغرب من جهة اخرى ما سيطيل من أمد الأزمة.