د. إبراهيم العثيمين

إفلاس التقية السياسية في الخطاب الإيراني «2»

عرضنا في المقال السابق لـ «أساليب الكذب السياسي الايراني» فيما سميناه «ظاهرة التقية السياسية «، وتعرضنا لأربعة أساليب مما استخلصها ميرشايمر في كتابه لماذا يكذب القادة (الحقيقة حول الكذب في السياسة الدولية)

The Truth About Lying in International Politics Why Leaders Lie محاولين إسقاطها على الخطاب السياسي الايراني وهي المبالغة في تقييم القدرات الحربية بهدف الردع ، تزييف الحقائق ونشر الاكاذيب بغرض التستر على تقنية معينة أو سلاح بعينه تجنبا لإثارة الرأي العام الدولي والمجتمع الدولي، إخفاء حدة الكراهية الكامنة لنظام معين، وأخيرا التهديدات الكلامية التي تهدف من خلالها دولة «أ» إلى تغيير سلوك دولة «ب» بما يخدم مصالحها. إن الحديث في المقال التالي - مقال اليوم - سيكون استكمالا للمقال السابق في الظاهرة نفسها.

ان المتمعن في الخطاب الايراني منذ قيام نظام الملالي يدرك مليا انه قائم على منظومة من الأكاذيب يختلط فيها السياسي بالديني ظاهره فيه الرحمة وباطنه فيه العذاب، وإذا كان هناك من تمايز بين «خطاب خاتمي» وخطاب أحمدي نجاد ـ على سبيل المثال ـ فليس تمايزا في الشكل، فالشكل والمضمون هنا واحد، وإنما التمايز في «لغة الخطاب» فقط. «خطاب خاتمي» كان يعتمد لغة تميل الى «الترغيب» أي أقل درجات الثوريةخامس هذه الأساليب ـ حسب ميرشايمر ـ هو إقدام الدولة «أ» إلى أسلوب التجسس وزرع الخلايا في الدولة «ب» في وقت السلم بغرض الاستفادة منها كورقة ضغط سياسية على الدولة المستهدفة، وإخفاء أدلة الإدانة متى ما تشكك المجتمع الدولي، وأبرز مثال هو ما تعارف على تسميته  «شبكة التجسس الإيرانية في الكويت»  وهي شبكة تجسس تم الكشف عنها من قبل السلطات الكويتية تعمل لحساب الحرس الثوري الإيراني اكتشفت في مطلع مايو 2010 وصدر الحكم في إبريل 2011 الذي أكد فيه ان هناك شبكة تجسس تعمل على جمع معلومات عن المنشآت الحيوية والعسكرية الكويتية، ومواقع القوات الأمريكية في البلاد تابعة للحرس الثوري الإيراني تعمل على أرض الكويت منذ  2001. نجد أن أغلب تصريحات المسؤولين الإيرانيين بدلا من الاعتذار وتبرير الموقف اتسمت بالإمعان في النفي ووصف هذه التهم بأنها مزاعم لا أساس لها من الصحة. فتصريح لرئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني علاء الدين بروجردي أن إثارة موضوع شبكة التجسس المزعومة في الكويت محاولة لحرف الأنظار عما يجري في المنطقة من ثورات واحتجاجات شعبية، وفي السياق نفسه قال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإسلامي إسماعيل كوثري: إن هذه المسألة قديمة وانتهت بنفي طهران رسميا إياها وليس لنا أي علاقة بها. وكما هو معروف فإن هذه ليست مزاعم إنما «شبكة تجسس» تعمل لحساب الحرس الثوري الإيراني وصدر الحكم بعد 11 شهرا من المحاكمات التي كانت فيها السلطات الكويتية راقية في تعاملها رفضت أي تسريبات أو تغطية إعلامية ووفرت محامين للدفاع عن الأشخاص السبعة المتهمين في القضية حتى صدور الحكم.  وأخيرا ـ حسب ميرشايمر ـ يرتبط بالكذب بهدف تعظيم مكانة الدولة في الداخل والحصول على ميزة استراتيجية على مستوى السياسة الخارجية،  ومثالها الأبرز والأوضح هو الزيف الإيراني بخصوص قوة ومتانة اقتصادها وأن اقتصادها هو أقوى اقتصاد في العالم ـ حسب زعم الرئيس أحمدي نجاد ـ رغم أن الاقتصاد الإيراني يعاني عدة أزمات حقيقية حسب كثير من تقارير صندوق النقد الدولي والتقارير الاقتصادية الدولية مثل وصول معدل التضخم إلى نحو 75 بالمائة ووصول البطالة الى 14.6بالمائة ـ حسب إحصاءات عام 2010 ـ وكذلك وصول الديون الخارجية إلى 20.5 مليار دولار. أضف الى ذلك ترنح العملة الوطنية التي تواصل الانحدار نحو الهاوية، فقد  تراجع الريال الايراني في السوق الموازية، حيث وصل الآن الى الفي ريال وأكثر للدولار الواحد ومازالت حكومة نجاد تزعم كل يوم أن سعر الدولار هو 1200 وليس 2100 ريال، وكل هذا الزعم هو لتأكيد أن العقوبات الدولية التي فرضتها أمريكا ودول حليفة لم تؤثر إطلاقاً على الاقتصاد.وبعد فان المتمعن في الخطاب الايراني منذ قيام نظام الملالي يدرك مليا انه قائم على منظومة من الأكاذيب يختلط فيها السياسي بالديني ظاهره فيه الرحمة وباطنه فيه العذاب، وإذا كان هناك من تمايز بين «خطاب خاتمي» وخطاب أحمدي نجاد ـ على سبيل المثال ـ فليس تمايزا في الشكل، فالشكل والمضمون هنا واحد، وإنما التمايز في «لغة الخطاب» فقط. «خطاب خاتمي» كان يعتمد لغة تميل الى «الترغيب» أي أقل درجات الثورية. أما «خطاب أحمدي نجاد» فهو بالعكس يعتمد لغة تميل الى «الترهيب والثورية» ما أوصل خطابه الى الافلاس والتصدع والدخول في أزمات اقليمية ودولية.