د. جاسم المطوع

شكرا لشباب السفانية والشيبـة

عشت أيامًا جميلة مع العاملين والموظفين في شركة أرامكو خاصة في حقلي (السفانية والشيبة) فتعرّفت على شباب متميّز ونخبة من العاملين يعملون ليل نهار من أجل خدمة بلدهم ووطنهم وكانت الزيارة في الأسبوع الثاني من شهر رمضان المبارك، فتحاورنا معهم وتناولنا طعام الإفطار المميّز في الخيمة الرمضانية في جوٍّ أخوي جميل لمسنا فيه روح الفريق الواحد والأخلاق الطيبة، ثم ألقيت محاضرة بعدما صلينا التراويح وكان عنوانها (علو الهمة) في الجانب الوظيفي والاجتماعي والإيماني، وتحدثنا عن كيفية زيادة الهمّة والعطاء ومهارات التعامل مع الآخرين وحل المشاكل الاجتماعية والتربوية.

وكانت أكثر أسئلة الحضور حول المعاناة العائلية التي يعانونها بسبب بُعدهم عن أهلهم علما بأنهم يعملون اثنتي عشرة ساعة يوميًا وهم بحكم المغتربين عن زوجاتهم وأولادهم وبعضهم يعمل على اليابسة بالصحراء والبعض في البحر وعلى الرغم من توفير الشركة للعاملين سكنًا مريحًا وأماكن ترفيهية ورياضية إلا أن هناك أمرًا مهمًّا لا يستغني عنه الموظف وهو استقرار الجانب النفسي والعائلي في حياته.

لنهتم بعقول شبابنا ونساعدهم في بناء بيوتهم.. ونقول لشباب (السفانية والشيبة) شكرًا لكم على تلك الليالي الجميلة التي قضيناها معكم، وشكرًا لكم على عطائكم وتفانيكم بالعمل، وشكرًا لكم على إخلاصكم وعملكم، وشكرًا لكم على تمسككم بروح الفريق الواحد.فالعمل بالقطاع النفطي يحتاج لتركيز مستمر وجهد متواصل، فهو أشبه بثكنة عسكرية تتحرك بدقة ونظام (فحقل السفانية) من أكبر الحقول المغمورة بالعالم وفيه معمل يعدُّ من أكبر المعامل لفرز الغاز عن الزيت و(حقل الشيبة) يقع في الربع الخالي في منطقة بعيدة ونائية وتحيطه الكثبان الرملية وتهب عليه الرياح والعواصف الشديدة ودرجة الحرارة بالصيف عالية ويعتبر من أكبر الحقول وينتج أجود أنواع الزيت. وعلى الرغم من قسوة العمل وصعوبته والبُعد عن الأهل إلا أنني لمست من العاملين أثناء حديثهم حبًا وإخلاصًا للعمل وتفانيًا وتعاونًا فيه وأكثر ما لفت نظري ما يعيشون فيه من روح للفريق الواحد وكأنهم عائلة واحدة على الرغم من اختلاف المذاهب والأديان بين العاملين فهم يملكون روح التعايش والأخلاق الطيبة وحسن المعاملة والدقة والتنظيم حتى في قيادة السيارة والالتزام بقوانين المرور. فهذه نعمة عظيمة أسأل الله أن يُديمها على الشركة وفي المملكة.. ولعل ما تناولته على مائدة الإفطار يدعم هذا الشعور بالتعاون وروح الفريق الواحد فقد قدّم لنا الفول الحجازي وأكلناه بالخبز الحساوي المعمول بالتمر والبر واستمتعنا بطعم المرقوق النجدي.. فقلت لمن حولي ونحن على الإفطار مازحًا: حتى إفطار الحقول النفطية يعطي رسالة بأنكم يد واحدة وفريق واحد، فقد قدّمتم لنا طعامًا من كل أطراف المملكة. وبعد الانتهاء من المحاضرة جلسنا جلسات ودية مع الشباب وكان الحوار يدور حول كيفية متابعة الأبناء والمراهقين عندما يكون الأب بعيدًا عن بيته وكيفية ضمان استقامته وأسئلة أخرى كانت حول الخطوبة وكيفية اختيار الفتاة والتعرّف عليها علي الرغم من أن بعض العائلات تمنع رؤية الفتاة إلا يوم الملكة، إلا أن أكثر النقاش كان يدور حول مشكلة أن الموظف عندما يرجع لبيته وقت إجازته يُخطط هو للنوم، بينما يخطط أهله وأولاده للخروج من المنزل وقضاء يوم ترفيهي وبدأنا نتحاور بأفكار وحلول لهذه التحديات التربوية، وكانت جلسة مليئة بالأفكار والحوار الفعّال وتتخللها الطرفة والمزحة والضحكة حتى قال أحدهم والله لقد أخرجت ما في نفوسنا من هموم وأفكار نعيشها ليل نهار. بعد هذه الزيارة السريعة أقترح على شركة أرامكو أن تبدأ بمشروع (بيتك يهمنا) وذلك من خلال عمل برامج اجتماعية وتربوية للموظفين تعينهم على استقرار أسرهم وعلاج مشاكلهم التربوية من خلال اللقاءات الدورية والبرامج التدريبية وتعيّن مستشارًا اجتماعيًا في كل حقل أو تجمع للموظفين وقد رأيت مثل هذه التجربة في كبرى الشركات الخاصة في هولندا والنمسا، فالاهتمام بالإنسان أهم من أي شيء آخر، فتايوان بلد خالٍ من أي موارد طبيعية أو ثروة حتى الرمل لا وجود له في تايوان وتقع في مكان بحري تعصف بها الأمواج من كل مكان ولكنها ركّزت على حفر العقول البشرية واستثمارها والآن تمتلك رابع أفضل احتياطي مالي بالعالم.  فلنهتم بعقول شبابنا ونساعدهم في بناء بيوتهم ونقول لشباب (السفانية والشيبة) شكرًا لكم على تلك الليالي الجميلة التي قضيناها معكم، وشكرًا لكم على عطائكم وتفانيكم بالعمل، وشكرًا لكم على إخلاصكم وعملكم، وشكرًا لكم على تمسّككم بروح الفريق الواحد.