خليل الفزيع

العلاقات الاجتماعيـة في رمضـان

كما أن الصيام يعني تكامل العبادة فهو يعني أيضًا تكامل الآداب الحميدة التي يتحلى بها المسلم في تعامله مع نفسه ومع الآخرين، في إخلاصه العبادة لربه.. وفي اكتسابه حسن الخلق من تعاليم دينه الحنيف، وقد تمثلت الأجيال السابقة بهذه المعاني السامية أجمل تمثل.

ولأن الحياة كانت بسيطة ولم تعرف تعقيدات الحياة العصرية، فقد كان من السهل تفشي السمو بالنفس إلى آفاق الفضيلة، لترتع في مرابع الخير والهدى، متفيئة بظلال الشريعة الغراء، وبهديها الأبلج.لقد كانت العـلاقات الاجتماعية قوية ومتينة بين الناس، فإذا جاء الشهر الكريم زادها قـوة ومتانة. فالمسلمون كالجسد الواحـد، كما قال «صلى الله عليه وسلم»: (مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد.. إذا اشتكى منه عضـو تداعى له سـائر الجسد بالسهر والحمى) أو كما قال (صلى الله عليه وسلم).

 لم تكن موائد الإفطار سوى مظهر من مظاهر قوة ومتانة العلاقات الاجتماعية، وهــذه الموائد لم تكن مما يقدّمه الأغنياء للفقراء كما قد يتبادر الى الأذهان، ولكنها موائد مشتركة بين سكان الحي الواحد، فإن كانت العلاقات الاجتماعية قوية ومتينة في الماضي، فهي في رمضان تصبح أكثر قوة ومتانة، بفضل الله ثم بفضل هذا الشهر الكريمويبلغ هذا التواد والتراحم الى حد شعور الصائم بأنه مسؤول عن جيرانه كمسؤوليته عن أهل بيته، ولم يكن غياب رب الأسرة لأي سبب، بالأمر الخطير، لأنه يعرف أن أسرته ستكون محل عناية الجيران حتى عودته، أما الأسر التي لا عائل لها فإن جيرانها يتولون رعايتها وقضاء احتياجاتها الرمضانية دونما حرج.وقد بلغت تلك العلاقات الاجتماعية من القوة والمتانة الى حد معرفة الجميع بما يستجدّ على حياة الفرد، وما يطرأ على أحواله من تغيّرات، وما من مريض يمرض أو مسافر يسافر أو عائد يعود، إلا ويعلم به جميع سكان الحي أو القرية للتو واللحظة، وكأن الجميع يعيشون في أسرة واحدة صهرها الإيمان في بوتقته، وغذاها من رحيق ألفته ومحبته. تنفيذًا للقول/ النصيحة (كونوا عباد الله إخوانا) فكان الواحـد منهم نعم الأخ لأخيه.. حتى من يزغ الشيطان قلوبهم، وينحرفون عن جادة السلوك السويّ، فسيجدون من كبار القوم من يردعهم عن هذا الخطأ ويُعيدهم الى حظيرة الولاء للمثل والقيم الإسلامية النبيلة، مصداقًا لقوله تعـالى: (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا).وإذا عرف أحد بأنه فظ غليظ القلب على من يحتك بهم أو يتعامل معهم، فإنه يتحوّل في رمضان بتأثير الأجواء الروحانية التى يعيشها الجميع.. الى شخص أقل فظاظة وغلظة، وهو وإن لم يتخل عن طباعه التى جُبل عليها، إلّا أنه مضطر لمجاراة الآخرين في حُسن سلوكهم، فهو لن يسمع ممن قد يقع في قبضة فظاظته وغلظة قلبه.. إلا عبارة (إني صائم) وبذلك يرتدع عن تماديه في الخطأ، ويحاسب نفسه على ما يسيء للآخرين من تصرّفاته.ولم تكن موائد الإفطار سوى مظهر من مظاهر قوة ومتانة العلاقات الاجتماعية، وهــذه الموائد لم تكن مما يقدّمه الأغنياء للفقراء كما قد يتبادر الى الأذهان، ولكنها موائد مشتركة بين سكان الحي الواحد، فإن كانت العلاقات الاجتماعية قوية ومتينة في الماضي، فهي في رمضان تصبح أكثر قوة ومتانة، بفضل الله ثم بفضل هذا الشهر الكريم، وما فيه من الخير العميم. فهل نقتدي بما كان عليه الآباء والأجداد في رمضان من المحبة والألفة وعمل الخير، والابتعاد عن فواحش القول والعمل.؟