تزوير.. أنا أقـاطع.. أنا أعتـرض
ذلك النوع من الممارسة السياسية هو الأقدم على مر العصور بدءًا من تشكّل فكرة الدولة الى أن تطوّرت في أثينا القديمة وظلت هي السائدة الى عصرنا الراهن، ورغم أن اليونان وريث شرعي لتلك الحقبة إلا أنها لا تدّعي استحواذها على الفكرة الديمقراطية، ولكن لننظر الى الصعيد العربي، حيث أصبحت الانتخابات المصرية هي محور الحديث وسط المصريين والعرب، وبالتالي الحديث عن الديمقراطية التي ينبغي النظر اليها على أنها أسلوب سياسي لتوفيق أوضاع الشعب واستقامة الحياة السياسية، وليس من الحِكمة في هذا السياق قياس الديمقراطية بالتاريخ أو تفصيلها عليه، وإنما القياس الحقيقي على وعي الشعب واستلهام التاريخ في تطوير الممارسة والخروج بسلاسة من النفق المظلم، وإن لم يحدث ذلك فإن الرهان على التاريخ هو ما يُشيع الفوضى ويجهض الحق الطبيعي في تنظيم شؤون الدولة.
الحالة الانفعالية لا تستقيم مع التعاطي السياسي، بل هي عيب صريح في الفكر السياسي، ولنتأكد من ذلك.. يكفي فقط أن تنظر الى المقاطع التي تنتشر في اليوتيوب والتي يقوم فيها بعض المرشّحين أو أنصارهم في مصر ببثها محاولين التقليل من شأن مرشّح آخر أو كسر شوكته أو حتى التصريحات الصادرة من المرشحين.الديمقراطية كجرعة الدواء قليلها لا يعالج وكثيرها يضر ويصيب الجسد السياسي والشعب بتداعياتٍ مرضية تقود الى نوع من حالة التبلد الديمقراطي، تظهر لا مبالين ومنتفخين بالإرث التاريخي الذي لا يخدم المصير الراهن وغير ذلك من التيارات غير الناضجة التي تقود البلاد من خلف عباءة الديمقراطية الى الهاوية، بصورةٍ شخصية يهمني أن أعرف مَن الذي سوف يصل لمنصة الحكم الرئاسي دون الأخذ بعملية التمرحل التي رافقت الصعود. الهوس العربي بعملية الانتخابات حالة غريبة ولا أعرف مسبقًا هل هي بسبب كون العملية جديدة وطارئة عليهم؛ لأنهم لم يعتادوها، أو لأنهم شعوب انفعالية وتريد أن تعطي أي حدث حجمًا أكبر من حجمه الطبيعي مثلًا، أتذكّر في نوفمبر 2010 أنني كنت في أحد المقار الانتخابية في ولاية ميريلاند الأمريكية، حيث كانت تجري انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، وكان المقر فارغًا تقريبًا والشوارع في الولاية لا توجد بها صور المرشّحين، فسألت أحدهم أني قرأت في الصحف خبرًا عن وجود انتخابات، فأجابني بالإيجاب، فما كان مني إلا وابتسمت له، وتابعت حديثي: لكني لم أجد انتخابات، وسألته: هل سوف تذهب أنت للتصويت؟ فأخبرني بأن الانتخابات في جميع الولايات الأمريكية لا تصاحبها ضجة وبأنه لن يذهب للتصويت؛ لأنه ليس هناك قانون يُجبره وهذا لا يهمه جدًا.الحالة الانفعالية لا تستقيم مع التعاطي السياسي بل هي عيب صريح في الفكر السياسي، ولنتأكد من ذلك يكفي فقط أن ننظر الى المقاطع التي تنتشر في اليوتيوب والتي يقوم فيها بعض المرشّحين أو أنصارهم في مصر ببثها محاولين التقليل من شأن مرشّح آخر أو كسر شوكته أو حتى التصريحات الصادرة من المرشّحين أنفسهم والتي لا ترقى في أحيان كثيرة لمستوى الوعي الفكري الذي يجب أن يتحلى به مرشّح رئاسي، ولذلك فإن الاستخلاص المنطقي في هذا السياق أن المسألة الديمقراطية بعيدة عن الواقع العربي؛ لأن البناء السياسي في الفكر العربي لا يزال هشًا ولا يقوى على تحمّل وطأة الديمقراطية ومتغيّراتها في تسيير شؤونهم بنزاهة ودون تلاعب بمصائر وأقدار الشعوب.