الضرورة الغائبة
الإنسان لا يمكن أن يتحرر من شيء لا يدرك أنه أسير له.. فالمقلّد لايدرك أنه يحمل في رأسه أصفادا صنعها شخص آخر لا يعرف أهدافه.. فهو إذن غريب عن وعي العبودية التي يرسف فيها. الأدلوجي اللاجدلي اللاتاريخي القابع في مربع واحد من مربعات شطرنج الحياة المعرفية لا يعرف أنه سجين لأن وعيه لم يصل إلى إدراك عبوديته لأدلجة سادرة في متاهة الحرافة. السياسي الذي يظن أن الناس طوع إرادته وأن التاريخ ثابت مثل كرة قدم لا هواء فيها.. هو لايدرك أنه أسير فكرة قديمة هي فكرة إنسان الصيد في قرون بدء التاريخ. الشاعر الذي يظن أن اللغة قطيع يسيّره كيف شاء ليرعى في حقول المعنى لا يعرف أنه أسير لغرور أعمى. ماركيز لم يبتكر هذه المقولة المضيئة بل قطفها من ذلك العبقري الذي قال: (الحرية وعي الضرورة) ولكن كم هي الضرورات الغائبة عن إدراك مجتمعنا؟ - هل تستطيع عدها؟ - نعم.. أستطيع. - تفضل بالعد.. - واحد.. واعطف عليه من تشاء ومالا تشاء من الأعداد فهي كلها منطوية فيه إنه «الحرية». لا أقصد بالحرية تلك التي يسلبها الاستبداد.. فهي مفهومة بل أقصد الحرية التي يسجننا الخوف عن محاولة قطف عناقيدها.. فندفن حسراتنا وحرائقنا بتكرار (الصبر مفتاح الفرج). - هل ترى أن الصبر ليس مفتاحا؟ - بلى.. هو مفتاح لأشياء كثيرة لا تمس جوهر الإنسان.. أما الحرية فهي التي إذا فقدها الإنسان فقد جوهر وجوده البشري.. لا مفتاح للحرية فهي فضاء والفضاء ليس في حاجة إلى مفاتيح.. في حاجة فقط إلى من يعرف كيف يتنفس تحت الطوفان.