محمد حمد الصويغ

موجة « مفرقة الجماعات »

يقول العرب :إن « الموت هادم اللذات « وأكاد أقول في وقتنا الراهن بشيء مــن التصـرف أن الأجيال المتعاقبة من الهواتف المحمولة أضحت « مفرقة الجماعات « وهي كذلك بالفعل ، ولست أدّعي أنها تحولت الى هذه الصفة من باب التشدق باللفظ أو وضع الأمر في غير نصابه ،ولكن الواقع الذي يرى بعيون الناس المجردة يؤيد ذلك ولا ينفيه .

أخشى ما أخشاه أن تنتقل العدوى الى عاملات المنازل فمعظمهن يحملن تلك الأجهزة في جيوبهن ، وحينئذ سوف تتعطل أعمال البيوت ماصغر منها وماكبر، فهي موكولة كلها اليهن بفعل انشغال ربـات البيوت الدائم بهبوب رياح تلك الموجة العاتية

ويكفي للدلالة على ما قُلت أن يعاين الفرد منّا كلّ تجمّع لاسيما إن كانت غالبيته شبابية فسيرى من الأمر عجبا ، فإذا كان هذا التجمع في حفل زواج فإن المجتمعين لاهون للأسف الشديد عن العريس وأهله بـ « الدردشات « التي لا أول لها ولا آخر عبر جوّالاتهم مع من يعرفون ومن لايعرفون ، فالرسائل تأتيهم من كل حدب وصوب ولابد من الرد عليها تحت كل الظروف ، واذا كان التجمع بمناسبة عزاء فإن معظم الشباب بعد مصافحة أهل المتوفى وترديد الجملة المتداولة « عظّم الله أجركم « وعثورهم على كراسي يجلسون عليها سرعان مايُخرِجون جوالاتهم من جيوبهم « وهات يادردشة « وماينطبق على المثلين الآنفين ينطبق على كثير من التجمعات كزيارات المرضى ، والاجتماعات الإدارية خاصة أو عامة ، وليس بمستغرب أن يخيِّم الصمت المطبق على المسافرين بالطائرات والقطارات والحافلات فجميعهم مشغولون من الرؤوس الى أخمص الأقدام بتلك « الدردشات « التي لاتغني ولاتسمن من جوع .ومايزيد الطين بلة أن أفراد الأسر داخل بيوتهم تحولوا الى شبه أغراب فقلوبهم أصبحت شتى وتعطلت لغة الكلام لديهم وخاطبت أذهانهم وعيونهم وأفكارهم شاشات هواتفهم وماتحمله من الغرائب والعجائب ، فالزوجة مشغولة عن زوجها بتلك الدردشات التي قد تمتد الى ساعات من الليل والنهار طويلة ، والزوج كذلك لايقل انشغالا عنها فهو يستقبل مئات الرسائل يوميا ويرد عليها في التو والساعة ، والأبناء شغفوا أيضا بهذه « اللعبة « التي تحولت في حياتهم اليومية الى « ضرورة « لايمكن الاستغناء عنها بأية حال ، وأخشى ماأخشاه أن تنتقل العدوى الى عاملات المنازل فمعظمهن يحملن تلك الأجهزة في جيوبهن ، وحينئذ سوف تتعطل أعمال البيوت ماصغر منها وماكبر فهي موكولة كلها اليهن بفعل انشغال ربـات البيوت الدائم بهبوب رياح تلك الموجة العاتية من الأجيال الاتصالية المتلاحقة . وليس من حلٍّ لهذه « المعضلة « الكأداء إن جاز تشبيهها بالمعضلة كما أرى إلّا  بتخصيص أوقات محددة من الليل أو النهار لاستخدام تلك الأجهزة ، أما أن ينشغل الناس بها على مدار الساعة فهذه مسألة غير منطقية وتحتاج الى اعادة نظر من قبل الجميع .