سالم اليامي

حقيقة ما ينبغي أن يُقـال

لم أفهم سبب الضجة التي أثيرت حول قصيدة الشاعر العالمي الألماني «غونترغراس»، القصيدة كانت بعنوان «ما ينبغي ان يُقال»، وقائلها السيد غراس، رجل في الخامسة والثمانين، من عمره، حاصل على جائزة نوبل، ومن الألمان الذين انضموا في مقتبل أعمارهم للخدمة التطوعية في الجيش النازي. ما قصة هذه القصيدة، وماذا قال فيها السيد غراس، حتى تثير كل هذه الزوابع؟

باختصار شديد، القصيدة ليست كما وصفها بعض الكُتاب العرب، بأنها معادية لإسرائيل، وأنها أي القصيدة تفضح ممارسات إسرائيل العنصرية ضد الشعب الفلسطيني، وتطالب بالحقوق العربية في الاراضي الفلسطينية. وكل ما في الامر ان القصيدة في معناها المباشر، «عتب» من الكاتب، الالماني، على بلده المانيا؛ لأن بلاده تزوِّد إسرائيل بتقنيةٍ عسكرية ألمانية، يخشى السيد غراس أن تستخدم هذه التقنية الالمانية المتطورة من قبل إسرائيل في مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، وحسب قراءته السياسية ان ذلك السلوك العسكري الإسرائيلي ان تمّ فهو يهدّد الأمن والسلم الدوليين..

ان الاستيعاب الاوروبي، السياسي، والثقافي، لمنطقة الشرق الاوسط، وما يدور فيها من احداث، وصراعات، سيظل فهمًا، ثانويًا، لمعطيات الفكر، والثقافة، والسياسة. وسنسمع مجددًا، من اهل الادب، والثقافة، دعوات محتقنة، بمجرد قراءة خبر عابر عن شخصية عالمية، تقول رأيًا، في إسرائيل وسلوكها السياسي، او تتحدث عن السامية، وما يُسمى بمعاداتها.  هذا التصوّر، والعتب الذي بنى عليه السيد غراس أفكاره الشعرية، نتاج للمخيال الأوروبي الثقافي، والسياسي، والتاريخي. القائم على فكرة الشعور المتعاظم بالذنب. ومن الإشارات التي يمكن رصدها هنا، وبحسب رأي النقاد، ان القصيدة كمضمون أدبي لا تحمل قيمة فنية كبيرة، ويغلب عليها طابع الخطاب والمباشرة، رغم المكانة الكبيرة للشاعر!! في الجانب الآخر، يتشكّل المشهد العزائي لدى عددٍ غير قليل من الكتاب والادباء في المشرق، عندما يصف الشاعر الرئيس الإيراني احمدي نجاد «بالبطل الصوتي» بمعنى انه لا يستطيع عمل شيء ذي بال! واظن ان المقصود تمامًا العجز الإيراني تجاه إسرائيل، كما أوضح الشاعر، اما تجاه العرب، خاصة تجاه عرب الخليج فأحمدي نجاد والنظام الايراني، قوة احتلال وتوتر في المنطقة، وهذا ما يجب ان يُقال وبوضوح. وهذه ملاحظة أشك في أن كثيرًا ممن تفحّصوا القصيدة، والحدث برمته، فطنوا لها.  الشاعر في أحد أحاديثه التليفزيونية، ذكر بوضوح، انه ينظر الى نفسه، على انه صديق لإسرائيل. وانه يحافظ على الصداقة معها، وان هذه المعاني جزء من رؤيته الفكرية والثقافية العامة. فيما يخصُّ الإشارة الى ان اسرائيل تهدّد الأمن والسلم الدوليين، فأعتقد انها كلمة الحق الوحيدة التي جاءت في سياقٍ منطقي، من وجهة نظر السيد غراس، على الاقل.. فهو يصف إسرائيل كذلك اذا ما زوّدتها بلاده ألمانيا بالغواصات التي تعمل بالتقنية الالمانية.  من الملاحظات العامة، أن الشأن السياسي، لمنطقة الشرق الاوسط، يظل بعيدًا عن الرؤية العامة للمثقف، والسياسي الغربي، على حدٍ سواء. وان تناول هذه الشرائح في مجتمعاتها الاوروبية، للشؤون السياسية، والثقافية في منطقتنا، يأتي في الغالب من منطلقات أساسها النظرة الأوروبية المبلورة للأحداث الخارجية. وان حظيت بعض الطروحات بشيء من القوة، او التركيز في التعاطي، فقد يكون مردّ ذلك التصاقه بالشأن الإنساني، والأخلاقي، لأن هذه العناصر تشكِّل بُعدًا رمزيًا فيما يُعرف بالمظلمة التاريخية الاوروبية. وقد ذهب الرأي العام الاوروبي تجاه قضية غراس، وإسرائيل، وإيران إلى قسمَين، فهناك من الأوروبيين مَن رأى في القصيدة تعبيرًا عن المسكوت عنه بداخله، وتركّز هذا الجانب حول مقولة العداء للسامية، والميل بطريقة اكثر مباشرة للتيارات اليمينية المتطرفة، التي وجدت متنفسًا للتعبير عبر هذه القصيدة الرديئة فنيًا. القسم الآخر لم يختر الوقوف بشكل كامل ضد الشاعر، انما حاول إظهار شيء مما يُسمى بالعقلانية السياسية، والحصافة الدبلوماسية عند التعامل مع الدول الاجنبية، ايًا كانت ممارساتها الاحتلالية واللا إنسانية، التي هي محل اعتراض.. ملخص هذه المواقف يجعلنا الى فهم عام، مفاده ان الاستيعاب الاوروبي، السياسي، والثقافي، لمنطقة الشرق الاوسط، وما يدور فيها من أحداث، وصراعات، سيظل فهمًا، ثانويًا، لمعطيات الفكر، والثقافة، والسياسة. وسنسمع مجددًا، من اهل الادب، والثقافة، دعوات محتقنة، بمجرد قراءة خبر عابر عن شخصيةٍ عالمية، تقول رأيًا، في إسرائيل وسلوكها السياسي، او تتحدّث عن السامية، وما يُسمى بمعاداتها.