سالم اليامي

انفلاتات عربية

الانفلات مصطلح نعبر به عن خروج أمر ما عن السيطرة، والتحكم المعهود، فيقال، انفلات الامر من بين يديه، خروجه، وتملصه، من تحت سيطرته. والانفلاتات هي جمع لمفردة انفلات، والحالة العربية الراهنة جملة من الانفلاتات، أي عدد من المظاهر، الخارجة عن السيطرة، بحسب المألوف، والعادة.

قصة رجل، من اهل مصر المحروسة، قِيل انه محام، او ناشط حقوقي، حاول ادخال عدد مهول، من الحبوب المخدرة الى الاراضي السعودية، ليست إلاّ تجربة اختبار صغيرة، ومحدودة الزمان، والمكان، والأشخاص ، لمدى عمق، وتأثير، حالة الانفلاتات العربية. لا احد يستطيع تحديد ما الذي يحدث، الكل مستجيب للانفلات بدون وعي، لم يستقص احد في اجهزة الاعلام، او في الشارع، او في الجموع الثائرة على غير هدى، عن السجون العربية اجمالاً، وانه من المحتمل، والمألوف، وجود مصري في سجن بلد عربي آخر، ووجود السعودي في السجون المصرية واللبنانية والسورية، على ذمة قضايا مختلفة، ولم يحدث شيء من حالة الانفلات هذه، إذن هناك شيء مُعد، مرتب، مرسوم ومتوقع.

الذي لا يمكن ان نختلف عليه ان هناك مستفيدا، وراء ما يحدث من انفلات بين ظهرانينا. ولدواعي استكمال التحليل ولتقصي أسئلة المنطق التي تحيط بزمن الانفلات ، من كل صوب، يثور سؤال جوهري، ومهم، وهو كيف تقوم هذه الجهات الخفية، اللعينة، بهذه الاعمال ؟

واذا واجهنا انفسنا، وواقعنا وحاولنا التعرف على الجهة التي تدعم الانفلاتات وتعمقها فينا، وتقوم بهذه التجارب، المدمرة لامتنا، وواقعنا الاجتماعي والسياسي، والأمني العربي. وماذا تستفيد من كل ذلك؟ فلن نفاجأ ان ما يحدث في عالمنا العربي، من تدمير للإنسان، وتخريب للأمن، وتوتر للعلاقات بين البلدان العربية وبهذه الصورة المتسارعة، والواضح في هذه الانفلاتات المركبة، البناء والترتيب للأحداث، والرسم للأدوار، اقول لن نفاجأ اذا ما وجدنا ان ذلك يصب في مصلحة طرف او مجموعة أطراف، تعمل هذه الأطراف على تعميق الانفلات في المجتمعات العربية بهدف، تهريب المخدرات، ونشر التجسس، وغسيل الاموال، وبث الأفكار الهدامة، مما يمكن هذه الجهات من احتلال العقول، ثم الثروات، والأراضي التي تحويها. ومن الممكن جداً ان يكون ذلك المستفيد المتربص، دولة ما، او عدة دول، تسعى عبر أجهزتها الأمنية، والاستخباراتية، الى تعميق حالات الانفلات والترويج له. وقد تكون الجهات المستفيدة جماعات مافيا وعصابات دولية منظمة، يمكن ان تتعاون مع الدول، او مع ما يعرف بمنظمات المجتمع المدني الناشئة وقليلة الخبرة في العالم العربي لتكون اذرعة  تنفيذية في مرحلة متقدمة، كل ذلك ممكن، ويجب في تقديرنا، إعطاء الوقت الكافي للأجهزة المختصة وللباحثين في عالمنا العربي، لتحديد هوية الفاعل والمستفيد بشكل اكثر دقة. الذي لا يمكن ان نختلف عليه ان هناك مستفيدا، وراء ما يحدث من انفلات بين ظهرانينا. ولدواعي استكمال التحليل ولتقصي أسئلة المنطق التي تحيط بزمن الانفلات ، من كل صوب، يثور سؤال جوهري، ومهم، وهو كيف تقوم هذه الجهات الخفية، اللعينة، بهذه الاعمال؟ الاجابة ليست متاحة، لكن شواهد الحال، تقودنا للاستعانة والاستدلال بالموجود، وفي حالة المواطن المصري الجيزاوي، نعتقد بأن هذه الجهات سواء أكانت دولا او عصابات مافيا، او جهات تتخفى تحت مسميات انسانية وخلافها، او كل ذلك مجتمعاً، استخدمت نموذج البطل الدمية، الذي عادة ما يتم إحراقه ، من اجل أمجاد وغايات زائفة ووهمية، مغروسة في اللاوعي. تضخم في أذهان اُناس لا يعرفونه في الاصل. وتم الاستفادة على ارض الواقع من الترويج لعبارة بدأت تطفو على السطح في اعقاب ثورة ٢٥ يناير وهي ان شعب ما قبل الثورة ليس شعب ما بعد الثورة، والنتيجة هنا استغلال فهم الجماهير للمعنى العام للعبارة واستخدامهم دون وعي كامل منهم، كأدوات في حيثيات الانفلات المنظم. كما تم التركيز على استغلال الحالة المزاجية العامة للشخصية العربية، بمحدداتها المصرية الخاصة، عبر التحريض الاعلامي المنفلت ايضاً، لتحويل الدمية، المغمور، الفردي الى بطل، مشهور، ومعروف للعموم. هذه التراتبية تقود الى خلق فريقين، من الجماهير التي تعيش على أهداب انفلاتات البرامج الإعلامية وشخصيات الخطاب التحريضي اللحظي. وعبر توجيه من الجهات المستفيدة المباشرة، تُدفع الجماهير المحشودة ذهنيا ونفسياً للقيام بأعمال غير مسبوقة، من حيث الجراءة في ردة الفعل، والمزايدة على تبني الحدث. وهذا ما يمكن تسميته بالانفلات السلوكي او الممارس، نتائج هذا الحشد للجماهير اياً كان عددها يمكن ان تحسم إعلاميا كعنصر قبول، او رفض لفكرة ما، والدفاع عنها عبر الاضرار بالآخر. والآخر في هذه الحالة بلد شقيق، تعرضت مؤسساته التمثيلية الدولية للاعتداء، وصممت مجموعة محاور للاساءة الى رموزه وقياداته، بشكل منسق ومتعمد، استخدمت فيها ادوات الاعلام الجديد ببراعة. وهذا ما حصل خلال الاسبوع المنصرم، عبر الاعلام المصري واحتضنته شوارع القاهرة المنفلتة، والنتيجة كلنا نعرفها، وبالتأكيد كثيرون لا يعرفون الى اين سيقود هذا الانفلات الذي تغذى، وبشكل متعمد واضح، ضد المصلحة العربية العليا.