عليكم بالمنطقة الصفراء!
فلا يضع المرء لنفسه خطوطاً حمراء، قبل تلك التي تضعها له منظومات بيئته المختلفة. وهي تحريض لثلاث فئات على وجه التحديد (وعسى ألا أوضع مع المحرضين، الذين يأتون في تساوق مع المخربين!). الفئة الأولى هم الكتّاب (المتعاملون مع قضايا الفكر والرأي العام)، وأتمنى أن يتسع صدر صحيفتنا لقبول مثل هذا التحريض! بألا يبقوا في المنطقة الخضراء، التي ينشدها كل باحث عن الراحة، وتكرار الأقوال المعادة مرات ومرات؛ فهي لا تزعج أحداً، ولكنها لا تأتي بجديد، أو تحث على إعادة تفكير في بعض الأمور، والتخلي عن بعض المسلّمات.
أتمنى هنا أن يسيروا بالرأسمالية إلى منتهاها، الذي هو بالأصل مدى حرية بالتصرف في الشؤون المالية. فهي منذ سنوات قليلة بدأت بالتحول إلى حماية، وتدخل من الدول في إصلاح المؤسسات الخاصة، التي عبثت بها أيدي بعض المتنفذين فيها. فيصلح السياسي، ما يخربه الاقتصادي؛ وبذلك تصبح المؤسسة المتعثرة مثل المؤسسة الصامدة.
وقد استعرضت قبل أن أكتب هذه المقالة عدداً من الصحف والمجلات العربية، فوجدت من التزم من كتابها بموضوعات تدعو إلى عصف ذهني، وتحتوي طرحاً جديداً لقضايا اجتماعية وثقافية شائكة عدداً محدوداً جداً؛ لا يتلاءم مع التنوع الذي اتسمت به تلك المطبوعات في عناوينها ودعاياتها التي تسوقها عن نفسها. فهل الأمر مرتبط بإدارة المطبوعات (المديرين المباشرين أو المعلنين المتحكمين فيها بالمال أو المشرعين لها بالأنظمة)، أم بطبيعة القراء، الذين لا يريدون موضوعات تتعب عقولهم، ويحتاجون فيها إلى ربط منطقي للوصول إلى ما يريد الكاتب، أم برغبة الكتّاب أنفسهم وقدراتهم، التي تحكم توجههم إلى قفشات مضحكة، وأساليب كوميدية، أو ساخرة؛ دون محتوى تتضمنه مقالاتهم؟ الفئة الثانية هن النساء العربيات، وأعانني الله وإياكم على سوء فهم البعض لهذا التحريض! تحريضهن على تجاوز المنطقة الخضراء (ليست تلك المنطقة ببغداد التي لم تعد خضراء، بل غبراء)، والبحث عن حقوقهن إلى أقصى حد ممكن في الطريق. وليس بالضرورة أن يكون ذلك من خلال تكوين جمعيات أو جماعات ضغط، بل بجهودهن الفردية؛ وأساساً مع الأقربين: الأب والأم والأخ والزوج والابن، وكل سلطة تضع لها أسلاكاً شائكة في طريق حصولها على حقوقها، أو تسعى إلى تضييع مكتسبات المرأة، وقصر جهودها على خدمة الرجل، وأن تكون شخصاً ثانوياً في المجتمع، حتى وإن كانت لها إنجازات متميزة. أما الفئة الثالثة، فهي التيارات السياسية والاقتصادية ذات الأصول الليبرالية، التي بدأت تخرج بالرأسمالية عن خطها العريق، الذي تبنته منذ ما يزيد على أربعمائة سنة؛ بدءاً من بورصة شركة الهند الشرقية (الهولندية) في سنة 1602م، ومروراً بالتطورات في الامبراطورية البريطانية في القرن الثامن عشر، وليس انتهاء بانهيار البورصة الأمريكية في نهاية عشرينات القرن العشرين والكساد الذي تلاها في ثلاثينات القرن المنصرم، ولا حتى بتحول الصين على يد دينج خياوبينج إلى النظام الرأسمالي سنة 1978م، ولا الانهيارات المالية التي حدثت في سنة 2008م، أو الاهتزازات الاقتصادية المتعلقة بمنطقة اليورو في سنة 2011-2012م. وأتمنى هنا أن يسيروا بالرأسمالية إلى منتهاها، الذي هو بالأصل مدى حرية بالتصرف في الشؤون المالية. فهي منذ سنوات قليلة بدأت بالتحول إلى حماية، وتدخل من الدول في إصلاح المؤسسات الخاصة، التي عبثت بها أيدي بعض المتنفذين فيها. فيصلح السياسي، ما يخربه الاقتصادي؛ وبذلك تصبح المؤسسة المتعثرة مثل المؤسسة الصامدة على أصول ومبادئ اقتصادية سليمة. طبعاً لا يعني هذا كون تدخل السياسي من أجل حماية الاقتصاد والناس المتضررين من فشل بعض تلك المؤسسات خطأ بحد ذاته؛ لكن تدخله يفترض أن يكون مبكراً، على شكل رقابة ومتابعة وأنظمة صارمة. الكارثة تحل بشكل أقوى، عندما يندمج السياسي والاقتصادي في شخص واحد، كما هي الحال في الأنظمة الاستبدادية. حينذاك لا يوجد خلاص، ولا إنقاذ حتى في وقت متأخر. وإذا جرت ترتيبات احترازية مبكرة، فهي من أجل تسهيل عملية الاحتكار، لكي لا يشارك أحد زمرة المستبد؛ لا في اتخاذ القرار، ولا في إدارة دفة الاقتصاد. في هذه الحال، تكون استعادة الحية جلدها، الذي انسلخت منه أسهل من زرع التفاؤل والأمل بحياة كريمة لدى الناس!.