فهد الخالدي

«أم رقيبة».. متى نستثمره سـياحيًّا؟!

توجّهت الأنظار في الفترة الأخيرة إلى محافظة حفر الباطن في شمال المملكة، وبالتحديد إلى منطقة «أم رقيبة» لمتابعة مهرجان «مزايين الإبل»، وما شهده من منافسات بين المشاركين فيها من المملكة ودول الخليج العربي.مما لا شك فيه أن هذه المناسبة تمثل كل عام نوعًا من اهتمام إنسان الجزيرة العربية بالتراث والمحافظة على السلالات النادرة لجميع أنواع الإبل، كما يعكس هذا المهرجان ما تحظى به الإبل من عناية بصفتها جزءًا من الإرث الحضاري لهذه المنطقة، علاوةً على الطابع الترويحي لهذا المهرجان كمتنفس للكثير من المهتمين للهروب من روتين الحياة وضغوطها. غني عن القول إن الإبل بمختلف أنواعها كانت أهم وسيلة استخدمها المواطنون في الترحال ونقل البضائع وقضاء حوائجهم، بل ظلت إلى عهد قريب الوسيلة الوحيدة لنقل ضيوف الرحمن من بلدٍ لآخر، وقد تعدّدت منافعها واستمر بعض هذه المنافع إلى وقتنا الحالي، حيث كانت وما زالت مصدرًا غذائيًا، وما زالت أيضًا أحد أهم مصدر لصنع بعض الملابس التقليدية والأصواف وما سواها، كل ذلك يبرز بجلاء سر العلاقة التاريخية بين الإبل وإنسان الجزيرة العربية على وجه الخصوص. لم تتسنّ لي الفرصة لزيارة أم رقيبة والوقوف على واقع المهرجان، ولكن من خلال متابعة بعض القنوات الإعلامية، وكذلك من خلال ما تمّ نقله من بعض الأصدقاء والثقات والمهتمين الذين زاروا المنطقة، فإن هناك بعض الملاحظات حول هذا المهرجان سواءً فيما يتعلق بالأسواق شبه العشوائية أو في مجال الخدمات الضرورية لزوار المهرجان ومن ذلك قلة دورات المياه مقارنة بأعداد الحضور، واستخدام الخيام لطهي الوجبات وتقديمها بعيدًا عن أي رقابة صحية، ومن ذلك أيضًا غياب مكائن الصرافة وفروع البنوك في المنطقة، علاوةً على استغلال بعض التجار ظروف المستهلكين والضيوف ورفع الأسعار وغيرها.نحن بالتأكيد نملك من الإمكانيات البشرية والمادية ما يمكننا من توفير أسباب النجاح لهذا المهرجان وأمثاله، ولكن ما نحتاجه حقيقةً هو مزيد من القناعة والاهتمام والتخطيط والإرادة والعزم، وكلنا ثقة بأننا نملك ذلك أيضًا باعتباره واجبًا وطنيًّا لن نبخل بالقيام به أبدًا «بإذن الله»لا شك في أن هذه المناسبة تعدُّ حدثًا بارزًا ينبغي المحافظة عليه واستمراره وتطويره عامًا بعد عام، لا سيما أنها أصبحت ملتقى لمعظم شرائح المجتمع الخليجي، وأكبر سوق لبيع الإبل في العالم، الأمر الذي يتطلب منا المبادرة بالرأي من أجل تدارك الصعوبات والتغلب عليها بما يُساعد على تطوير هذا الحدث وفعالياته وتحسينها والوصول بها إلى مستوى أفضل، وجعلها أكثر جاذبية بحيث تغدو حافزًا إضافيًّا يشجّع على السياحة الداخلية خاصة أن ندرة وجود مثل هذه المهرجانات في بلادنا كانت تؤدي في الماضي ولا تزال إلى توجّه المواطنين إلى السياحة الخارجية مما يحمّل الاقتصاد الوطني خسائر باهظة. من أجل ذلك كله فإننا نجد من الضروري أن تتولى الهيئة العامة للسياحة والآثار رعاية هذه المناسبة وتنظيمها باعتبارها الجهة الرسمية المعنية بهذا المجال؛ وأن تأخذ بعين الاعتبار العمل على تعريف وتوعية الجيل الجديد الذي قد يجهل أهمية الإبل ودورها في حياة الأجداد، ومن المهم أيضًا ولضمان استمرار نجاح هذه المناسبة والارتقاء بها مشاركة القطاعين العام والخاص وتضافر كل الجهود من أجل تنفيذ فعاليات مصاحبة ومتنوّعة في الفنون الشعبية والشعر والمسرح وغيرها، تكون موازية لهذا المهرجان الوطني، كما يحدث تمامًا في مهرجان الجنادرية العالمي. ومن شأن تلك الشراكة حقيقة أن تضفي على هذا المهرجان الموسمي طابعًا تنظيميًّا أفضل يشمل كافة أبعاده، ومن شأنها أيضًا توجيه أنظار الكثير من الأسر نحو السياحة في تلك المنطقة المفتوحة النقية خاصةً إذا روعي أن تكون إقامة المهرجان متزامنة مع إجازة نصف العام للطلاب والطالبات، كما أن إتاحة الفرصة للجاليات الأجنبية في بلادنا ودول الخليج العربي لزيارة هذا المهرجان وحضور فعالياته من خلال تقديم التسهيلات اللازمة سوف تؤدي إلى تعريفهم على جانب من إرثنا الحضاري والثقافي الأصيل، وتجعل أم رقيبة محط أنظار القنوات الإعلامية العالمية. إن المتتبع للفعاليات السياحية العالمية يجد أن كثيرًا من المهرجانات والمناسبات السياحية التي تستقطب العديد من السياح من كافة أنحاء العالم هي في الواقع أقل أهمية مما يمكن أن نقدّمه في هذا المهرجان، غير أن عناية الجهات المنظمة بتسويقها إعلاميًّا والدعاية لها وتسهيل حضورها والقيام بكافة الاستعدادات وتوفير كل الخدمات اللازمة لزوارها، كلها أسباب اجتمعت فأدت إلى ما نشاهده من نجاحات. ونحن بالتأكيد نملك من الإمكانيات البشرية والمادية ما يمكننا من توفير أسباب النجاح لهذا المهرجان وأمثاله ولكن ما نحتاجه حقيقةً هو مزيد من القناعة والاهتمام والتخطيط والإرادة والعزم، وكلنا ثقة بأننا نملك ذلك أيضًا باعتباره واجبًا وطنيًّا لن نبخل بالقيام به أبدًا «بإذن الله».