مطلق العنزي

«الميدان».. والباشا لا سقاه الله!

حينما لا تتوفر لدي سيارة أجدها فرصة أن أمشي. فيصبح المشي هنا تطوعاً وفرضاً جبرياً لا رفاهية، ولكنه فرصة للمشي. كنت في التسعينيات أتردد على القاهرة، وكنت أقيم قرب الشارع الرئيسي في «ميدان لبنان» (في المهندسين)، سقاهما الله، وكلما عنّ لي امتطاء القدمين، يكون الشارع أشد ما يكون من اليسر والرحابة والترحيب في أي وقت من النهار والليل. ثم أن التاكسي، دائماً، وفي أي وقت قريب.غبت عن القاهرة نحو عشر سنوات. زرتها العام الماضي. وبالصدفة كنت في ميدان لبنان ليلاً، فأردت أن أمشي كالعادة، لكنني وجدت ذات الشارع مخيفاً: حواجز أمنية، ومدرعات، وأنوار خافته، و«مخبرين»، في زوايا الأزقة وتحت الأشجار الكبيرة، يشربون الشاي أو الدخان، ويتهامسون، وطبعاً يتفحصون المارة.أول ما خطر في بالي أن عملية إرهابية ربما تكون قد ارتكبت في الشارع، على الرغم من أن الحواجز وهيئات المخبرين لا توحي بأن الأمور طارئة أو ردة فعل سريعة. وفي منتصف الشارع تقريباً توقفت الحواجز، حيث يسمح بمرور السيارات. ركبت سيارة أجرة، وسألت السائق: ما الذي يحدث؟.. لماذا كل هذه الحواجز؟.. هل توجد عملية إرهابية؟.. سلامات..!قال لي: لا عملية إرهابية ولا ما يحزنون.. هنا «بيت الباشا».*أي باشا؟كانت مصر كلها تحت رحمته. ثم أنزلته نفسه الملوثة من علياء المجد إلى دونيات ظلمات السجن وأن يكون تحت رحمة سجانين جنود، يأمرونه بالجلوس والنوم والخروج والأكل والشرب، ولا يملك من أمره شيئاًـ حبيب العادلي وزير الداخلية.تذكرت الشارع المغلق والحواجز الأمنية الكثيفة وعشرات من المخبرين والحرس يحتلون المنطقة المحيطة بمنزل العادلي، حينما رأيت «الباشا» في بذلة السجن الزرقاء، في قفص الاتهام، اثناء محاكمة الرئيس مبارك.وإلى قبل خمسة أشهر كان الشارع في ميدان لبنان مغلقاً، وكانت الشوارع أيضاً تغلق لـ«الباشا» منذ خروجه من المنزل حتى يصل إلى مكتبه، بسلامة الله..سبحان الله الذي يعز ويذل. فقد أدين «الباشا» قضائياً بارتكاب جرائم عمداً حينما أعمى المنصب والنفوذ عينيه عن تمييز الحق والحقيقة من التدليس والتضليل. وهو يقضي الآن العقوبة، كما يحاكم في اتهامات بجرائم أخرى.كان مئات الأشخاص يحرسون «الباشا» ولواءات ورتب عالية رهن إشارته في الـ 24 ساعة كما كانت مصر كلها تحت رحمته. ثم أنزلته نفسه الملوثة من علياء المجد إلى دونيات ظلمات السجن وأن يكون تحت رحمة سجانين جنود، يأمرونه بالجلوس والنوم والخروج والأكل والشرب، ولا يملك من أمره شيئاً. بمعنى ميت مجازاً. وهو مثل ونموذج «حي» لكل مسئول تزين نفسه الفساد وتهواه، ويمهد له الكرسي الطريق إلى الموت مجازاً.*وترمن بين خمائل الرمش، عيناك، ترنو..ملياً تحدق في الغيوم الكثيف وسياج الوادي..هذا مداه، وخطاه الواثبة.. إذ طوالع الآل الغزير أحجبة الدهناء، ودليل السفر إلى لينة..