محمد العلي

تصعيد المعنى

مسألة الجبر ابتدعت في تاريخنا لاغراض سياسية محضة.. فإذا كان الإنسان مجبرا على افعاله فهو غير ملوم إذن.. فهذه هي إرادة الله.. وقد ولدت مسألة الجبر نقيضها وهو الاختيار.. وراح الميدان يعج بالافكار المتناقضة.. بل المتناحرة بين النقيضين الجبر والاختيار.ومن يقرأ المآسي الاغريقية يصل إلى اليقين بان القدر وراء كل شيء حتى لو كان ذلك هو (زيوس) نفسه.. وكما انشطر المفكرون اليونان بين الجبر والاختيار كذلك انشطر من بعدهم العرب والمسلمون.الفارابي وحده من بين مفكري تراثنا هو الذي اخرج هذه المسألة من مدارها السياسي والفقهي حين صعد معناها إلى ان الجبر يعني الجهل اما الاختيار فيعني العلم والمعرفة. المجتمعات الآن تحاول كما شاهدنا في أكثر من مكان في العالم العربي.. كسر قيود الجهل والوصول إلى حرية يهبها العلم بعد قرون عجافهذا التصعيد الفارابي للمعنى هو ما ينسجم مع تاريخ الإنسان في انتقاله من المرحلة العفوية.. مرحلة الاستسلام للطبيعة والضرورات البيولوجية إلى المرحلة الثقافية.. مرحلة التساؤل ثم البحث عن الاجابة التي يفرزها الوعي بالظروف المحيطة ومحاولة وضع اليد على الأسباب.نقرأ ما يلي:«التنوير هو خروج الإنسان من القصور الذي يرجع إليه هو ذاته.. القصور هو عدم قدرة المرء على استخدام فهمه دون قيادة الغير.. يكون هذا القصور راجعا إلى الذات إذا كان سببه لا يكمن في غياب الفهم.. بل في غياب العزم والجرأة على استخدامه دون قيادة الغير.. تجرأ على استخدام فهمك الخاص.. هذا إذن هو شعار التنوير.. ان الكسل والجبن هما السبب الذي يجعل طائفة كبيرة من الناس يظلون، عن طيب خاطر، قاصرين طوال حياتهم حتى بعد ان تكون الطبيعة قد حررتهم، منذ مدة طويلة، من كل قيادة خارجية و الذي يجعل اخرين ينصبون انفسهم بسهولة اوصياء عليهم».هذه فقرة صغيرة من اجابة الفيلسوف كنت على السؤال» ما هو التنوير.. وانا هنا لا احاول على الاطلاق ربط قول كنت بما طرحه الفارابي.. ذلك لان الابعاد التي خاضها كنت لم تكن تخطر في ذهن الفارابي.. انا هنا احاول فقط ايضاح ان الجهل بمثابة القيود التي تشل طاقة الإنسان الداخلية على الحركة.والمجتمعات الآن تحاول كما شاهدنا في أكثر من مكان في العالم العربي.. كسر قيود الجهل والوصول إلى حرية يهبها العلم بعد قرون عجاف.