المفردات المضادة
تتكرر امام اعيننا وبين أسماعنا مقولة "المجتمعات العربية تعرف ما لا تريد ولكنها لا تعرف ما تريد" واعتقد ان هذه المقولة تضمر الشك في قدرة المجتمعات على الوصول الى ما تريد.. واذن فان هدم ما لا تريده مجرد قدم واحدة لا تستطيع عبور الجسر الطويل الى ما تريد.. وعليه فان النتيجة هي اللا جدوى.هذه المقولة ليست تضمر الشك في نهضة المجتمعات فقط.. بل هي تأييد لحالة مطلقة هي ضد حركة التاريخ بالاضافة الى انها تدس اليأس في تطلع النفوس الى المستقبل، متناسية ان الذي يرفض الاستبداد والقهر وسلب الحرية التي هي الحياة نفسها لابد انه يؤمن بمفردات مضادة.. مفردات بناء حياة افضل. ما يجب هدمه وهو (المعروف) وما يجب بناؤه وهو «غير المعروف» حسب هذه المقولة من طبيعة كل تحول.. صحيح ان التحول مما سيهدم اشد وضوحا مما سوف يبنى.. ولكن هذا ليس انتقالا من معلوم الى مجهول.. ان ما يجب هدمه وهو (المعروف) وما يجب بناؤه وهو "غير المعروف" حسب هذه المقولة من طبيعة كل تحول.. صحيح ان التحول مما سيهدم اشد وضوحا مما سوف يبنى.. ولكن هذا ليس انتقالا من معلوم الى مجهول.. بل هو انتقال من معلوم الى معلوم تتدخل فيه بالاضافة الى ارادة المجتمعات ارادة التاريخ.. فنحن نعرف ان من اصدق تعريفات التاريخ هو ذلك الذي يقول: "التاريخ هو الامكانات التي تحققت" بمعنى ان الامكانات عديدة قد لا يحيط بها كلها أي مجتمع.. لكن مواد البناء واضحة هي تلك المفردات المضادة للطغيان والقهر والفساد. للهدم طريق واحد وللبناء طرق عديدة.. وهنا امتحان الارادة الجماعية في اختيار أقصر الطرق الى الهدف.. واذا كانت هناك حرية كاملة للافراد والمجتمعات فلابد ان تنشطر تلك الارادة الى ارادات.. وهنا يتدخل ميزان القوى وليس فقط الخطأ والصواب لتغليب رؤى على رؤى أخرى. من هنا تنبع ضرورة الديمقراطية وتنبع شرعية تغلب رؤى على اخرى من دون تناحر وعواطف في رياح الرغبات..فالديمقراطية هي التي تتيح تبادل المواقع في الشأن العام حسب ما يقتضيه التغيير والظروف الاقتصادية. ليس هذا وحسب.. بل تنبع ضرورة تجاوز الثقافة لنفسها والمجتمع على ما انغرس في ذهنه من اعشاب ضارة.. ان ارتفاع الثقافة يعني ارتفاع سلامة الاختيار وعلوه عن أي تزييف. ان جميع الثورات الحقيقية لا تلك الزائفة التي ألفناها وسميناها "انقلابات" مرت في مرحلة البناء بعواصف عاتية وبتأرجح بين التقدم والتقهقر.. ولكنها انتصرت في آخر الشوط لان اهدافها واضحة وان تعددت الطرق اليها. أليس كذلك؟