محمد العصيمي

سؤال نسائي: ما الضرر ؟ وهل هناك نص؟

هم الأمة العربية شيء، وهم نسائنا هنا في المملكة شيء آخر تماما؟ عودا على بدء، وببساطةِ امرأةٍ محترمةٍ ومحتاجةٍ، تضع امرأة اسمها سميرة أمامي وأمامكم هذا التعليق وهذه الأسئلة المشروعة : هناك مطالب مشروعة كعمل المرأة في محلات المستلزمات النسائية بدلا من تسولها عند الجمعيات الخيرية وإشارات المرور .

لماذا يُسمع لصوت المتشددين الرافضين للقرارات الوزارية؟ ما الضرر عندما تبيع امرأة لأخرى؟ وهل هناك نص من القرآن الكريم يُحرم عمل المرأة؟ أولا: أنا ألتزم بالقرار الملكي وأترك الفتوى لهيئة كبار العلماء، حتى ولو كنت مشروع «عالم» بصفتي من المتخرجين في  جامعة الإمام منذ خمس وعشرين سنة، ثانيا: أنا لا أعلم نصاٌ قرآنياٌ ولا حديثاٌ نبوياٌ يحرم عمل المرأة. الذي أعلمه أن المرأة الراشدة، ككائن حي مكرم، لها حرية التصرف في نفسها ومالها، وجدتي لأمي ـ رحمها الله ـ كانت أجمل ما تكون حين تسف الخوص لتصنع «السفر» و»الزبلان» لتبيعها وتطعم نفسها وعيالها من ريعها. أمهاتنا الرائعات المكافحات كن يسوقن بضائعهن في الأسواق العامة في الشمال والجنوب والوسط والشرق والغرب. وأذكر ـ فيما أذكر ـ أننا قبل أن نبتلى بالتشدد، نغشى هذه الأسواق مع آبائنا الذين كانت لهم علاقات بيع وشراء محترمة مع كثير من نساء السوق. كانت «رفعة»، وهي امرأة بدوية شديدة الحضور، تلفت نظري حين تدير نقاشا حول أسعار بضائعها بصوت مرتفع وثقة لا تدانيها ثقة.

 في هذا الزمان، غابت «رفعة» وحُرّمت الأسواق على نسائنا، والسبب هو أننا ـ  كما فعلنا في كل شيء ومع كل شيء ـ حملنا الأمور أكثر مما تحتمل!! توقفنا عند ذلك الباب، باب سد الذرائع الآن، في هذا الزمان، غابت «رفعة» وحُرّمت الأسواق على نسائنا، والسبب هو أننا ـ كما فعلنا في كل شيء ومع كل شيء ـ حملنا الأمور أكثر مما تحتمل!! توقفنا عند ذلك الباب، باب سد الذرائع، فمنعنا المرأة، رغم شرف المحاولة السابقة، من العمل في محلات المستلزمات النسائية، مع أن المرأة السعودية القديمة، التي ذكرتها قبل قليل، كانت تبيع للرجال والنساء والأطفال، بل إنها كانت تمارس (الديلفري) إذا احتاج بيت من بيوت الحي لأي لازم من لوازمه. تدخل البيت، في ظل كل العادات والتقاليد، وتسلم على أهله ثم تفرش بضاعتها أمام رجاله ونسائه ليتخيروا ما يلزمهم ثم تغادر مودعة بمثل ما استقبلت به من الاحترام والتقدير لجهودها وعنائها في سبيل تحصيل رزق بيتها.حين تكون المرأة، محتاجة أو غير محتاجة، موضع شك ونظرة دونية فإن هذا هو الذي يضطرها، كما قالت سميرة، لتتسول رزقها عند إشارات المرور ، أو كما أقول أنا على مسؤوليتي، هو ما يضعها، اضطرارا وقهرا، في مواقف لا ترضاها لنفسها ولا يُفترض أن يرضاها لها مجتمعها. وصاحب قرار المنع أو التحفظ على عملها في الأسواق، أيا كان موقعه وموقفه، يجب أن يراجع نفسه وقراره لكي تفتح أبواب العمل الموصدة في وجه الآلاف من أمهاتنا وبناتنا المتعطلات والمحتاجات للعمل. أعلم أنني أتحدث عن قضية متقادمة، لكنني في نفس الوقت ـ ومعي كثيرون ـ أعلم أن مثل هذه القضية لا تسقط أو تموت بالتقادم أو بالتجاهل من أولي القرار. وإذا كانت مواجهة الحقيقة هي نصف الحل ـ كما يقال ـ فإن كون زوجتك أو بناتك أو أخواتك في حال ميسورة ووظائف مرموقة لا يعني ألا تشعر بالأخريات ممن يشاركنك المواطنة والمجتمع وتوفير أسباب العيش الكريم، ولا يصح من أجل أن أسد باب الذرائع أن أقول للمحتاجة إلى عمل أمامك أبواب الجمعيات الخيرية لتطرقيها وتتعيشي من الفتات الذي تذره عليك كل حين. لا يوجد مبرر واحد منطقي ترسل به امرأة قادرة على العمل إلى جمعية خيرية لتتصدق عليها. هذا ضد المنطق الصحيح وضد كرامتها التي نحن كلنا مسؤولون عنها.النظرة المنوطة للمرأة في مجتمعنا يجب أن تنتهي إذا أردنا أن نحترم أنفسنا وأن نحترمها ونضع لها أدوارا منتجة بدلا من أدوارها الاستهلاكية التي ترهقها وترهق كاهل وطنها ومجتمعها. حان الوقت، وهو ربما حان قبل زمن طويل، لأن نخرج من عباءة التحقير والتهميش لنسائنا لنضعها على خارطة طريق صحيحة لوجودهن وقيمتهن وأعمالهن، وإن لم نفعل ذلك وبأقصى سرعة، فإننا موعودون بمزيد من المعاناة الوطنية والاجتماعية، التي سينكر المعنيون بالأمر وأصحاب القرار حينها مسؤوليتهم عنها، لكننا سنقول لهم وقتها: أنتم الذين قررتم وأنتم الذين تتحملون كامل المسؤولية والمحاسبة عن هذا الأمر..وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه.