د.محمد العرب


ليست كل الأفكار المتوارثة مجرد عبارات عابرة نرددها في حياتنا اليومية، فبعض الأمثال الشعبية تحمل تأثيراً يتجاوز الكلمات، وقد تسهم، من حيث لا نشعر، في تشكيل نظرتنا إلى أنفسنا والآخرين، وفي تفسير بعض المواقف والسلوكيات من حولنا.
والمثل الشعبي ليس حقيقة علمية، وإنما خلاصة تجربة بشرية تشكلت في زمان ومكان وظروف محددة. وتبدأ الإشكالية حين تتحول هذه التجربة من حكمة مرتبطة بسياقها إلى قاعدة عامة نطبقها على كل زمان ومكان، وكأنها حقيقة ثابتة لا تقبل النقاش.
نقول مثلاً: «من شبَّ على شيء شاب عليه»، وهي عبارة تحمل معنى مفهومًا في سياقها، لكنها قد تصبح محدودة حين نفهمها على أن الإنسان عاجز عن التغيير بعد مرحلة معينة من حياته. فالإنسان يتعلم ويتغير ويعيد تشكيل عاداته ومواقفه مع مرور الوقت، والتربية والتجربة والنضج كلها عوامل قادرة على إحداث تحولات مهمة في الشخصية والسلوك.
ونقول: «الطبع غلب التطبع»، فنستخدمها أحياناً لتفسير بعض الصفات وكأنها ثابتة لا تتغير. قد تكون لدى الإنسان ميول وسمات مختلفة، لكن وجود الميل لا يعني بالضرورة استحالة تهذيبه أو تطويره. فالوعي والتجربة والتدريب عوامل يمكن أن تساعد الإنسان على التعامل مع بعض صفاته بصورة أكثر نضجاً.
ومن الأمثال التي ارتبطت قديماً بأساليب التربية: «العصا لمن عصى»، وهي تعكس تصوراً كان شائعاً في بعض البيئات يرى أن الحزم والعقاب وسيلة أساسية لضبط السلوك. وقد ينجح العقاب أحياناً في إيقاف سلوك معين، لكنه لا يعني بالضرورة أن الطفل فهم سبب الخطأ أو اقتنع بالسلوك البديل. فالتربية لا تتعلق فقط بالانضباط، وإنما أيضاً بالفهم والحوار وبناء المسؤولية.
وتتكرر في الموروث الشعبي عبارات أخرى تربط التربية بالقسوة، مثل «اضرب ابنك وأحسن أدبه»، وهي عبارات تنتمي إلى سياقات اجتماعية قديمة، ولا ينبغي التعامل معها بوصفها قواعد تربوية ثابتة. فأساليب التربية تتطور مع تطور المعرفة والخبرات الإنسانية، وما كان مقبولاً في بيئة معينة قد لا يكون مناسباً في بيئة أخرى.
أما «البعيد عن العين بعيد عن القلب»، فهي محاولة شعبية لتفسير أثر المسافة في العلاقات، لكنها لا تنطبق على كل التجارب الإنسانية. فقد تضعف بعض العلاقات مع البعد، بينما تحافظ علاقات أخرى على حضورها وقيمتها رغم المسافات.
وفي العلاقات العائلية، نجد مثل «الأقارب عقارب»، وفي المقابل «الدم ما يصير ماي». الأول قد يدفع إلى الحذر من الأقارب، والثاني قد يستخدم للتأكيد على أهمية صلة الرحم. وبين المثلين مساحة واسعة من الواقع.
وهنا تظهر إحدى خصائص الأمثال الشعبية؛ فهي ليست منظومة واحدة متماسكة، وإنما تجارب متعددة أنتجتها مجتمعات وأجيال مختلفة. ولذلك نجد أحياناً أمثالاً متعارضة، مثل «في التأني السلامة»، وفي المقابل «خير البر عاجله»، ونقول «السكوت من ذهب»، ثم نجد في الموروث ما يشجع على الكلام والمواجهة في مواضع أخرى.
ولعل القيمة الحقيقية للأمثال لا تكمن فقط في ترديدها، وإنما في قدرتنا على فهمها ونقدها واختيار ما يناسب واقعنا منها.
ختاماً: ربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا قال الأولون؟
بل: ما الذي يمكن أن نتعلمه مما قالوه، وما الذي تغير في حياتنا منذ ذلك الوقت؟
@malarab1