عبدالله يوسف العثمان


ماذا لو دخلت متجرًا لشراء احتياجاتك اليومية، ثم علمت أن جزءًا من عائد مشترياتك يسهم في إطعام محتاج، أو تأهيل شاب، أو دعم أسرة؟ عندها سنكتشف أن العطاء يمكن أن يجد طريقه إلى حياتنا من أبواب أخرى، وأن الجمعية تستطيع أن تصنع موردًا يدعم رسالتها، ويمنحها قدرة أكبر على الاستمرار، ويحوّل بعض العادات اليومية البسيطة إلى مساهمة مستمرة في خدمة المجتمع.
اعتدنا أن ترتبط صورة الجمعية بالتبرعات والمساعدات، غير أن التحولات التي يشهدها القطاع غير الربحي في المملكة تفتح أمامه فرصًا أوسع لتنويع موارده. فوجود نشاط تجاري، وهو ما يُعرف بالاستثمار الاجتماعي، يعود ريعه إلى برامج الجمعية، يمكن أن يوفر دخلًا متجددًا، ويساعد على تنويع مصادر التمويل، ويجعل المستهلك نفسه شريكًا في الأثر من خلال مشترياته المعتادة. كما أن تنويع الموارد يمنح الجمعية مساحة أكبر للتخطيط للمستقبل، وتطوير برامجها بصورة أكثر استقرارًا واستمرارية.
ومن هنا، تبرز أهمية تطوير قدرات الجمعيات وتعزيز كفاءتها وحوكمتها، بما يتيح لها الاستفادة من الفرص المتاحة، وتنويع مواردها، وبناء شراكات تسهم في دعم رسالتها وتحقيق قدر أكبر من الاستدامة. فالاستدامة لا ترتبط فقط بتوفير الموارد، وإنما تشمل أيضًا حسن إدارتها وتوجيهها بما يخدم أهداف الجمعية ويعزز أثرها.
وفي السياق ذاته، نحتاج إلى الاهتمام بالجمعيات التخصصية؛ فالتنوع لا يُقاس بكثرة الجمعيات التي تعمل في المجال نفسه، وإنما بقدرتها على الوصول إلى احتياجات مختلفة في المجتمع. ودراسة الحاجة قبل تأسيس الجمعية تساعد على وضوح الأدوار، وتوجيه الجهود والموارد نحو مجالات تحتاج إلى مزيد من الاهتمام، كما يمنح التخصص الجمعية خبرة أعمق وهوية أوضح، ويساعدها على تقديم برامج أكثر ارتباطًا باحتياجات المستفيدين.
وفي هذا السياق، من المهم النظر إلى المصروفات التشغيلية باعتبارها جزءًا أساسيًا من عمل الجمعية واستدامتها. فالتخصص والاستثمار وقياس الأثر تحتاج إلى كوادر مؤهلة، وأنظمة تقنية مناسبة، وبيئة عمل تساعد على أداء المهام بكفاءة. ومثل هذه المتطلبات، عندما تُدار بصورة متوازنة، تسهم في تحسين الخدمات، ورفع جودة البرامج، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، بما يدعم قدرة الجمعية على تحقيق أهدافها واستمرار أثرها.
وفي النهاية، ربما حان الوقت لأن يتسع سؤالنا إلى: ما الأثر الذي صنعته الجمعية، وكيف يمكن أن يستمر؟ فحين تتخصص الجمعية، وتنّوع مواردها، وتدير أعمالها بكفاءة، فإننا ننتقل معها تدريجيًا من مفهوم التبرع وحده إلى صناعة أثر يستطيع أن يستمر، ويتوسع، ويصل إلى مستفيدين أكثر.
@BinOthman90