بشائر مساعد العيد


مهما بلغت قسوة الحياة، يبقى الإنسان تلك المعجزة التي لا تفقد قدرتها على النهوض بعد كل انكسار.
وحين أتأمل الإنسان، لا أتوقف كثيرًا عند ما يظهر منه، بل أتساءل عما يحدث في داخله. ما الذي ينكسر أولًا حين تتوالى عليه الخيبات؟ وما الذي يبقى حين تتغير الأشياء من حوله؟
ربما لا يكون أول ما يتصدع هو قوته، ولا قدرته على الاحتمال، بل ذلك الجزء الهادئ في داخله الذي يمنحه الثقة، والطمأنينة، والقدرة على رؤية الخير رغم كل شيء.
فالإنسان لا يتغير دفعة واحدة. يحدث ذلك في تفاصيل صغيرة لا ينتبه إليها أحد. موقف يترك أثرًا، كلمة تؤلم، خيبة تتكرر، خوف لا يجد طريقه إلى الكلام، أو صمت طويل يعتاد صاحبه حمله وحده.
ومع الوقت، قد يتغير شيء في الداخل.
قد يصبح أكثر حذرًا، أقل ثقة، وأشد قسوة على نفسه. وقد يتعلم أن يخفي مشاعره حتى عن أقرب الناس إليه، ظنًا منه أن القوة تعني ألا يحتاج إلى أحد.
لكن القوة الحقيقية ربما تكون في الاتجاه المعاكس تمامًا؛ أن يعترف الإنسان بتعبه دون أن يستسلم له، وأن يطلب العون دون أن يرى في ذلك ضعفًا، وأن يمنح نفسه فرصة أخرى كلما أخطأ أو تعثر.
ولعل أجمل ما في الإنسان قدرته على الترميم. يستطيع أن يجمع أجزاءه بهدوء، وأن يتعلم من الألم دون أن يتحول إلى شخص أسير له. يستطيع أن يسامح، وأن يبدأ، وأن يفتح نافذة للأمل حتى بعد أن ظن أن كل النوافذ أُغلقت.
وقد لا نستطيع أن نختار كل ما يحدث لنا، لكننا نستطيع أن نختار ما الذي نسمح له بأن يتركه في داخلنا.
فليس كل ألم يجب أن يتحول إلى قسوة، وليس كل خيبة يجب أن تتحول إلى فقدان للثقة، وليس كل سقوط نهاية.
أحيانًا يكون الإنسان في حاجة إلى أن يتوقف قليلًا، وأن ينظر إلى نفسه بعين أكثر رحمة، وأن يتذكر أن ما مر به لا يختصره، وأن أخطاءه لا تلغي قيمته، وأن الأيام الصعبة لا تعني أن الحياة ستظل كذلك.
وربما كان أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه أن يحافظ على ذلك الجزء النقي في داخله؛ الرحمة، والامتنان، والقدرة على المحبة، وحسن الظن، والرغبة في التعلم، والأمل.
ختاما: لا يكون السؤال الأهم: كم مرة انكسر الإنسان؟
بل: كم مرة استطاع أن يجمع نفسه من جديد.. ويعود؟
@bshaleid