محمد عبدالعزيز الصفيان

alsyfean@
هناك أشياء حين تنكسر لا يُسمع لها صوت، لكنها تظل تؤلم حتى آخر العمر. ومن أكثر القلوب التي تتألم بصمت قلوب كبار السن؛ أولئك الذين أفنوا أعمارهم في بناء البيوت، وتربية الأبناء، والسهر على راحة أسرهم. كانوا يومًا مصدر القوة والعطاء، ثم جاء يوم لم يعودوا يحتاجون إلا إلى كلمة احترام، ونظرة وفاء، وقلوب لا تنسى جميلهم.
من أقسى ما يجرح كبير السن أن يسمع من يناديه بـ«الشايب» أو «العجوز»، أو يتعامل معه وكأنه فقد مكانته. قد تبدو هذه الكلمات عابرة عند قائلها، لكنها تترك في نفسه أثرًا عميقًا؛ فالكرامة لا ترتبط بقوة الجسد ولا بعدد السنوات، بل هي حق لا يشيخ.
وفي بعض المناسبات، يختبر البعض ذاكرة كبير السن أمام الآخرين، فيسأله: «تعرفني؟» أو «تتذكرني؟»، ثم يبتسم إذا تردد في الإجابة. وقد يعلق على بطء خطواته أو ضعف ذاكرته، ظنًا أن الأمر لا يتجاوز المزاح، بينما هو في الحقيقة يمس كرامة إنسان يدرك جيدًا ما أخذه العمر منه، ولا يحتاج إلى من يذكره بذلك.
كبر السن ليس نقصًا، بل مرحلة طبيعية يصل إليها من كتب الله له طول العمر. فمن ثقلت خطواته اليوم، كان بالأمس يسابق الزمن من أجل أسرته، وتلك اليد التي ترتجف الآن هي نفسها التي حملت أبناءها، وبنت بيتًا، وتحملت المشقة ليعيش غيرها في راحة.
كم من كبير سن عاد من مناسبة وقلبه مثقل بالحزن، ليس بسبب مرض أو ألم، بل بسبب كلمة ساخرة أو موقف أحرجه أمام الناس. فالقلوب الكبيرة قد تخفي دموعها، لكنها لا تنسى من أوجعها.
والحقيقة أن كبار السن لا يحتاجون إلى الشفقة ولا إلى المبالغة في الثناء، وإنما إلى احترام صادق، وكلمة طيبة، وابتسامة دافئة، وشعور دائم بأن مكانتهم محفوظة في قلوب من حولهم. فرب كلمة رقيقة تعيد إليهم فرحة غابت منذ سنوات، ورب كلمة قاسية تبقى أثرها طويلًا.
الأيام لا تستأذن أحدًا، وكل يوم يمضي يقربنا من المرحلة التي يعيشونها اليوم. وما نقدمه لهم من احترام ورحمة سنجده يومًا ما يعود إلينا.
ختامًا.. ارحموا كبار السن، واحفظوا كرامتهم، ونادوهم بأحب الأسماء إليهم، وأحسنوا الاستماع إلى حديثهم، واشعروهم بأن فضلهم لا يُنسى. فالكرامة لا تشيخ، والاحترام لا يعرف عمرًا، ومن أحسن إلى من سبقه في هذه الحياة وجد من يحسن إليه حين يصبح في مثل أعمارهم.