حين يختل التوازن البيئي، يتجه التفكير غالبًا إلى البحث عن الكائن الذي ظهرت آثاره على السطح، بينما تؤكد علوم البيئة أن ما نراه ليس إلا نتيجةً لسلسلة من التغيرات التي صنعها الإنسان عبر سنوات طويلة. فالطبيعة لا تختل من تلقاء نفسها، والإدارة البيئية الناجحة لا تبدأ بمواجهة الكائنات الفطرية، بل بفهم الأسباب التي قادت إلى تغير سلوكها، ثم معالجتها وفق رؤية علمية متكاملة.
في هذا السياق، ومع تراجع أعداد المفترسات، والعاطفة الجياشة في إطعام القرود، برزت ظاهرة ازدياد تواجد قرود البابون بالقرب من الموائل البشرية في مناطق المملكة بوصفها حالةً من اختلال التوازن البيئي تستوجب قراءةً عميقة؛ فهي ليست مشكلةً مستقلة، بل نتيجة لاختلالات متراكمة في الموائل الطبيعية، والسلوك البشري تجاه الحياة الفطرية. وقد بذل المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية جهودًا لإعادة ضبط هذه الظاهرة من خلال المعالجة الميدانية، وتقليل الأعداد، وإعادة السلوك الفطري لهذه الكائنات، تماشيًا مع الفلسفة الحديثة التي لا تسعى إلى القضاء على الكائنات، بل إلى استعادة التوازن البيئي حتى تستعيد الطبيعة قدرتها على تنظيم نفسها.
غير أن فاعلية هذه الجهود تظل مرهونة بسلوك الإنسان، كونه الأكثر تأثيرًا في النظم البيئية. وهنا تشير الدراسات إلى مفهوم «القدرة الاستيعابية للبيئة»، فبقايا الولائم ومخلفات المزارع الملقاة في المواقع المفتوحة تحولت إلى موائد غذائية دائمة، دفعت الحيوان إلى فقدان اعتماده على مصادره الطبيعية، متزامنةً مع تراجع أعداد المفترسات نتيجة الصيد الجائر، الأمر الذي أحدث اضطرابًا فيما يُعرف بـ»الشلالات الغذائية».
وفي مقابل هذه التحديات، نلحظ طفرةً نوعية في جهود الحماية الوطنية، حيث أسس المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية قاعدةً صلبة من خلال مراكز الأبحاث المتخصصة التي تعمل كمراكز لإنتاج المعرفة، وتوظف نتائجها في برامج الإكثار وإعادة التوطين. وتمثل برامج الإكثار النوعية والإطلاقات السنوية للكائنات الفطرية في بيئاتها الطبيعية، التي نشهدها في المحميات الملكية، استراتيجيةً وطنيةً طموحة لاستعادة التوازن المفقود. واللافت أن هذه النجاحات تعتمد على استراتيجية إشراك المجتمع المحلي في قلب الحدث، إذ يدرك المركز أن استدامة هذه المحميات مرهونة بتمكين أهالي المناطق ليكونوا شركاء وحراسًا لهذه الموارد، مما يحول المواطن من مراقب إلى شريك رئيس في حماية ثروات الوطن.
وبناءً على ما تقدم، تصبح الإدارة البيئية مسؤوليةً جماعية تتكامل فيها الأدوار. فالمواطن والمقيم يمثلان خط الدفاع الأول بالامتناع عن إطعام الحياة الفطرية، والمؤسسات التعليمية تضطلع ببناء الوعي، والبلديات تتولى إدارة النفايات بذكاء، بينما تعمل إمارات المناطق والأمن البيئي على توحيد الجهود وتطبيق الأنظمة بحزم.
ختامًا، يرتقي الإنسان حضاريًا عندما ينظر إلى نفسه بوصفه عضوًا في «مجتمع الحياة»، لا سيدًا عليها. وإن أعظم ما يمكن أن نقدمه لجهود حماية البيئة ليس الإشادة بما يتحقق فحسب، بل أن نكون شركاء في هذا النجاح. فحين نلتزم بالأنظمة البيئية ونحرص على التوازن الفطري، فإننا نسهم في بناء منظومة مستدامة تحقق مستهدفات رؤية المملكة 2030. إن الإدارة البيئية ليست مجرد مهمة مؤسسية، بل هي ثقافة مجتمعية تدرك أن كل سلوك فردي - مهما بدا بسيطًا - ينعكس أثره على البيئة التي نعيش فيها، وعلى الوطن الذي نتشارك جميعًا مسؤولية حمايته وازدهاره.