كانت القاعة تضجّ بالتوتر. فريق المراجعين من هيئة الاعتماد الخارجي يجلسون أمام أعضاء هيئة التدريس، يتفحصون ملفات البرنامج، ويطرحون أسئلة دقيقة عن مخرجات التعلم والخطط الدراسية وآليات التقييم. كلٌّ من الأساتذة يريد أن يُثبت جودة برنامجه بكلامٍ متدفق لا يتوقف. فجأة رفع الأستاذ يده برفق، فخيّم صمتٌ مفاجئ. لم ينطق بكلمة، لكن المراجع الخارجي فهم أن ثمة شيئًا أعمق من الكلام. أدرك الطلاب الحاضرون أن ذلك الصمت لم يكن عجزًا، بل قرارًا إراديًا واعيًا يختلف جوهريًا عن السكوت المفروض رغماً عن صاحبه. الصمت تعبير نفسي عميق كاللغة تمامًا، يعكس استماعنا الحقيقي للآخر، وليس مجرد توقف عن الكلام، بل فنّ راقٍ يحتاج إرادة قوية. هو إيثار حقيقي حين نمنح الآخر مساحة آمنة للتعبير عن أفكاره، ومهارة أساسية للوصول إلى قلوب الناس.
بعد الجلسة سأله أحد طلابه: كيف أسكتَّ الجميع دون أن تتكلم؟ ابتسم وقال: برنارد شو يجيبك، الصمت يمنحك متعة التنزه في عقول الآخرين. فالصمت أداة قيّمة لفهم أبعاد الموقف بعمق وتأنٍّ وحكمة، ويساعدنا على السيطرة على الانفعال بدلًا من التسرع في ردود أفعال كلامية تجلب نتائج عصيبة. والنابغة الشيباني عبّر عن ذلك: فذو الصمت لا يجني عليه لسانه، وذو الحلم مهدي، وذو الجهل أخرق، مؤكّدًا أن كبح الكلام الأجوف يصون علاقاتنا المهنية والإنسانية.
التفكر والتأمل عميقًا في آنٍ واحد يجعل الإنسان ذا حكمةٍ.. وذلك بتحكمه في رغبة الكلام. وقد سأل عقبة بن عامر النبيَّ عن النجاة فأجابه: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وصية ذهبية تجمع حماية النفس والإصلاح الداخلي الحقيقي.
في محاضرته التالية خصص الأستاذ وقتًا لتعلّم الصمت. استحضر قول أبي الدرداء: تعلموا الصمت كما تعلمون الكلام، فإن الصمت حلم عظيم. وأعطى طلابه مبادئ عملية: جرعة الصمت كالملح في الطعام، قدر يسير يكفي ليشعر الآخر بأهميته. ولا تتحدث إلا حين تُضيف، فالبيان إصابة الحق لا كثرة الكلام العقيم. وراقبوا من يتكلمون كثيرًا في جلسات الاعتماد، ستجدون أن الصامتين يعملون بفعالية وحكمة أكثر.
خلاصة القول: الصمت ليس ضعفًا، بل قوة تتطلب سيطرة على النفس والشهوات. هو استثمار عميق في العلاقات الإنسانية وطريق نحو حكمة أعمق وأرقى. حين نختار الصمت في اللحظة المناسبة نختار الحياة الأكثر سلامًا والتأثير الأعمق على من حولنا.
akuwaiti@iau.edu.sa