ماذا يعني أن تنتمي لعائلة رياضية منذ الصغر؟
أن تكبر على فكرة أن الانتماء لا يُمارس داخل الجدران فقط، بل يمتد إلى مكان يصبح جزءًا من تكوينك الداخلي.
في سيهات، لم تكن الرياضة نشاطًا عابرًا، بل كانت أسلوب حياة.
كبرنا ونحن نعرف مواعيد المباريات كما نعرف مواعيد المدرسة، ونفهم معنى الانتماء قبل أن نفهم كثيرًا من مفاهيم الحياة الأخرى.
كرة اليد لم تكن لعبة تُشاهد من بعيد، بل كانت نبضًا يمر في تفاصيل المدينة.
كنا نغلق أبواب منازلنا، لا لأننا سنغيب طويلًا، بل لأن المدينة كلها كانت تتحرك في الاتجاه نفسه.
إلى المدرج.. حيث تتوحّد الأصوات، ويخفّ ثقل الأيام، دون تفسير واضح.
وفي لحظة امتلاء المدرج، كان يحدث شيء لا يُقال بسهولة.
كنا نظن أننا نشجع.. لكننا كنا نفرح.
هذا التحول البسيط كان سر التجربة كلها.
لم نكن نعرف لماذا يحدث ذلك الشعور.
كيف يمكن لساعة في صالة أن تعيد ترتيب الداخل كله؟
وكيف نخرج منها وكأن شيئًا غير مرئي قد هدأ فينا؟
اليوم، يقدّم علم الأعصاب تفسيرًا أكثر هدوءًا مما كنا نعتقد.
السعادة لا تبدأ بالفرح.. بل بالأمان.
توضح نظريات حديثة في علم الأعصاب أن الجهاز العصبي لا يسمح بظهور مشاعر البهجة الحقيقية إلا عندما يدخل في حالة طمأنينة داخلية.
قبل أي شعور جميل، هناك سؤال صامت: هل أنا في أمان الآن؟
في التجمعات الجماهيرية مثل مدرجات نادي الخليج، لا يكون ما يحدث مجرد تشجيع، بل شكل من أشكال التنظيم المشترك بين الأجساد والعواطف.
حين تتوحّد الأصوات، تتناغم الإيقاعات الداخلية أيضًا، ويتراجع التوتر، ويهدأ القلق، ويشعر الإنسان - دون وعي- أنه داخل مساحة آمنة.
هذا الإحساس لا يصنعه الفرد وحده، بل تصنعه الجماعة.
فالجهاز العصبي يلتقط الإشارات قبل أن يفسرها العقل: نبرة صوت، حركة جماعية، اقتراب، أو هتاف واحد... كلها تقول شيئًا واحدًا: أنت لست وحدك.
سيهات، كما عرفناها، لم تكن مدينة رياضية فقط.
كانت مدينة تتقن كيف تصنع الطمأنينة دون أن تسميها.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا نذهب إلى المدرجات؟
بل: ماذا يحدث لنا هناك حتى نشعر بأننا أكثر فرحاً؟
raedaalsaba@gmail.com