رنيم ماجد الذيب


في عالمٍ يضخ آلاف الساعات من المحتوى في الدقيقة الواحدة، لم يعد التحدي هو “الوصول” إلى المعلومة، بل القدرة على «النجاة» من هيمنتها؛ فقد أصبح الإعلام رفيقًا غير مرئي يملأ الفراغات بين مهامنا اليومية، ويشكّل ذائقتنا ببطء حتى نكاد ننسى أين ينتهي رأي «الخوارزمية» ويبدأ رأينا الشخصي. تعمل هذه الخوارزميات كمرايا تعكس لنا ما نحبه فقط، حيث تدرس نقراتنا ومدى بقائنا أمام الشاشة لتقدم لنا المزيد مما يوافق هوانا، مما يخلق ما يُسمّى بـ»فقاعة الفلتر» التي تحبسنا في زاوية واحدة من العالم وتمنعنا من رؤية وجهات النظر المختلفة. وهنا تبدأ أولى خطوات تشكيل الرأي المستقل عبر كسر هذه الفقاعة عمدًا والبحث عن محتوى يربك قناعاتنا بدلًا من تأكيدها.
هذا الضجيج الرقمي لا يتوقف عند حدود الشاشة، بل يمتد ليؤثر على سيكولوجية تفكيرنا؛ فالاستهلاك المفرط للفيديوهات السريعة خلق نوعًا من “قِصَر النفس الذهني”، حيث اعتاد الدماغ على اتخاذ قرارات لحظية مبنية على الانطباع الأول والبهجة البصرية بدلًا من التحليل والعمق. وعندما يصبح المحتوى «سريعًا»، تصبح قراراتنا في الحياة - من اختيار ملابسنا إلى تبنّي مواقفنا الاجتماعية - سريعة وسطحية بالتبعية، مما يفقدنا القدرة على تكوين رأي رصين يحتاج إلى وقت لينضج. ومن هنا تسلل الإعلام إلى أبسط تفاصيلنا، فصرنا نرتدي ما هو «ترند» ونرتاد الأماكن الأكثر تصويرًا، ليس لأنها الأجود، بل لأنها الأكثر حضورًا رقميًا، مما يستوجب علينا الانتقال من مرحلة الاستهلاك السلبي إلى مرحلة النقد النشط.
ولا يقتصر تشكيل الذوق على ما نستقبله فحسب، بل يمتد إلى ما نُسهم في نشره وتعزيزه؛ فنحن اليوم صُنّاع محتوى بقدر ما نحن مستهلكون، وبمشاركتنا لقصة أو إعجابنا بمقطع، فإننا نمنح الشرعية لذوق معين ونُسهم في صياغة الوعي الجمعي. إن مسؤوليتنا تجاه ذائقتنا الشخصية تحتم علينا ألّا نكون مجرد “ناقلين” لكل ما يمر بنا، بل “مصفّين” يختارون الجودة قبل الانتشار، لضمان أن ما نعرضه للآخرين يعبّر عن هويتنا الحقيقية ولا يغرق في سيل التفاهة العابرة. وبذلك نتحول من مجرد أرقام في إحصائيات المشاهدات إلى عقول تترك بصمة واعية في هذا الفضاء الرقمي الشاسع.
علاوة على ذلك، يكتمل نضج المحتوى عندما نخرجه من إطاره الرقمي البارد ونربطه بتجاربنا الإنسانية الحية؛ فالمحتوى لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الحياة، بل جسرًا لفهمها بشكل أعمق. إن تشكيل الرأي الصائب يتطلب منا استعادة مهارة «الحوار الواقعي» ومناقشة ما نراه مع الدوائر القريبة منا وجهًا لوجه، بعيدًا عن صخب التعليقات الافتراضية؛ فهذا الاحتكاك الإنساني هو ما يمنح الأفكار أبعادها الحقيقية ويصقل ذائقتنا بعيدًا عن القوالب الجاهزة التي تفرضها المنصات، مما يحوّل الإعلام من «قائد» لخطواتنا إلى «أداة» نستخدمها لإثراء واقعنا المعاش لا لاستبداله.
إن استعادة بوصلة الرأي الشخصي تتطلب منا وعيًا بضرورة التنويع النوعي، فلا نكتفي بما تفرضه الشاشة، بل نبحث عن المصادر الأصلية والمقالات الطويلة التي تتطلب تركيزًا عميقًا، فالعمق هو العدو الأول للسطحية الإعلامية. كما ينبغي لنا دائمًا طرح سؤال “لماذا” قبل تبنّي أي موقف أو الإعجاب بأي محتوى؛ لنتأكد: هل هذا الاختيار نابع من قناعة ذاتية أم أنه مجرد صدى لصوت الجماعة؟ وفي نهاية المطاف، يبقى الصمت الرقمي هو المساحة الأخصب لنمو الإبداع والرأي الخاص؛ فالهوية الحقيقية ليست ما تمليه علينا الشاشات، بل هي تلك المساحة التي نختار فيها بوعي ما يستحق اهتمامنا وما نتركه يمر بسلام، لنصنع ذائقة تعبّر عنا لا عن مجرد خوارزمية صمّاء.
raneem.theeb@hotmail.com